ليلة امتحان الثانوية العامة

لمحة نيوز


​استخبيت ورا عمود، وعرقي غرق هدومي. هي عارفة مكاني بالظبط! الفلاشة دي فيها إيه يخليها تقلب الدنيا كدة؟
​طلعت الفلاشة وبصيت لها.. لو قفشوني، مش بس أمي اللي هتموت، أنا كمان هروح فيها.
​لمحت ممرضة خارجة من أوضة العمليات، جريت عليها وأنا بحاول أداري وشي: "يا أبلة.. دكتورة نادية فين بالظبط؟"
​قالتلي وهي مستعجلة: "يا ابني قولتلك في العمليات، اخرج استنى بره."
​"مش هينفع.. قولي لها (عصام) بيقولك الأمانة وصلت."
​الممرضة وقفت مكانها، وشها جاب ألوان وبصت لي بذهول: "أنت ابن 'ليلى'؟"
​ليلى؟ ده اسم أمي؟
​قبل ما ترد، سمعت صوت كعب جزمة سعاد بيقرب من الممر. الرجالة اللي معاها بدأوا يفتشوا ورا الستائر. مكنش قدامي غير حل واحد.
​قلعت القميص بتاعي، ولبست بالطو أبيض كان محطوط على كرسي، وحطيت كمامة على وشي. مشيت بخطوات سريعة ناحية "سعاد" والرجالة بتوعها. قلبي كان هيوقف وأنا بمر من جنبها.. ريحة برفيومها اللي كنت بحبه زمان، دلوقتي بقت بتخنقني.
​عديت من جنبهم بستر ربنا، ودخلت أوضة التعقيم اللي الممرضة شاورت لي عليها. هناك لقيت ست في الخمسينات، لابسة لبس العمليات، أول ما شافتني عيونها دمعت من ورا النضارة.
​"سيف؟" همست بصوت مكسور.
​"أنتي دكتورة نادية؟" سألتها وأنا بطلع الفلاشة وإيدي بتترعش.
​أخدت الفلاشة وخبأتها في هدومها بسرعة: "عصام ضحى بنفسه عشان يوصلك هنا يا سيف.. سعاد مش أمك، سعاد هي اللي

خطفتك من ليلى من 18 سنة عشان تورث ورث أبوك الحقيقي."
​الدنيا اسودت في عيني. ورث؟ خطف؟
​"وأمي فين؟" صرخت بصوت مكتوم.
​فتحت باب خلفي بيطل على شارع جانبي وقالتلي وهي بتزقني: "أمك محبوسة في المزرعة القديمة في طريق بلقاس.. عصام زرع أجهزة تسمع في بيتهم وعرف مكانها. الفلاشة دي فيها دليل إدانة سعاد في قضية قتل أبوك."
​"رووووح.. قبل ما يوصلوا هنا!"
​خرجت من الباب الخلفي وأنا بجري زي المجنون. مكنش معايا غير الكارت اللي فيه الـ 600 ألف، والفزع اللي مالي قلبي.
​ركبت تاكسي وقولتله بلهفة: "طريق بلقاس.. وبأقصى سرعة!"
​فتحت الموبايل القديم لآخر مرة، لقيت رسالة أخيرة من عصام، مبعوتة من 10 دقايق:
​"سامحني يا ابني على كل قلم أديتهولك.. كان لازم يصدقوا إني بكرّهك عشان يسيبوك تعيش. الحق أمك.. أنا خلاص وقتي خلص."
​وتحت الرسالة، صورة لعصام وهو سايح في دمه في صالة البيت.. وسعاد واقفة فوق راسه وماسكة مسدس.
​دموعي نزلت وحرقت وشي. اللعبة مقتصرتش على الهروب.. اللعبة بقت حياة أو موت، وأنا دلوقتي اللي معايا مفتاح الخلاص.

 

وصلت طريق بلقاس والليل كان بدأ يليل، والتاكسي سابني قدام مدق وسط المزارع وغار. الجو كان هسس، مفيش غير صوت صرصار الغيط وضربات قلبي اللي كانت مسموعة لودني.
​مشيت ورا اللوكيشن اللي نادية وصفتهولي لحد ما ظهرت قدامي فيلا قديمة متهالكة، السور بتاعها عالي وكله شجر دبلان. لمحت حركة

عند البوابة، اتنين رجالة واقفين بسلاحهم.
​"لازم أدخل من غير ما حد يحس."
​لفيت من ورا السور، ولقيت شجرة جميز ضخمة قريبة من الحيطة. اتسحبت وطلعت عليها ونطيت لجوه الجنينة. كانت ريحة التراب والمكان توجع القلب. اتسللت لحد ما وصلت لشباك في الدور الأرضي عليه حديد، وبصيت منه.
​شفت ست قاعدة على كرسي، وشها شاحب وخسيسة جداً، بس فيها شبه مني ميروحش عن العين.. دي ليلى. دي أمي.
​لسه هخبط على الحديد، سمعت صوت عربية "سعاد" بتفرمل قدام البوابة. قلبي وقع في رجلي. هي لحقت توصل؟
​دخلت الفيلا من باب المطبخ اللي كان موارب، واستخبيت تحت السلم. سمعت صوت كعبها وهو بيخبط في البلاط ببرود مرعب. دخلت الأوضة عند أمي وسمعتها بتقول بضحكة خبيثة:
​"جوزك مات يا ليلى.. وعصام الخاين اللي كان فاكر نفسه ذكي مات هو كمان.. وابنك؟ ابنك دلوقتي زمانه بيسلم الفلاشة في المستشفى، والرجالة هناك هيقوموا بالواجب."
​أمي ردت بصوت ضعيف بس فيه عزة نفس: "سيف مش هيسيب حقي.. الدم بيحن يا سعاد، والظلم ليه نهاية."
​سعاد طلعت المسدس: "نهايته هتبقى النهاردة."
​في اللحظة دي، محستش بنفسي. الـ 600 ألف جنيه، والوجع، وخمس سنين ذل، كلهم اتحولوا لكتلة غضب. طلعت من تحت السلم وهجمت على الأوضة. سعاد لفت بدهشة، خبطت إيدها بالباب، المسدس وقع منها.
​الرجالة بتوعها جريوا على جوه لما سمعوا الصويت، بس قبل ما يوصلوا، كنت سحبت المسدس ووجهته ناحيتها.

​"ولا حركة!" صرخت بصوت عمري ما تخيلت إنه عندي.
​الرجالة وقفوا مكانهم لما شافوا المسدس في إيدي وهو مهزوز بس مصوب على دماغها. سعاد وشها اصفر، وقالت وهي بتحاول تسيطر على الموقف: "يا سيف.. يا حبيبي.. أنت فاهم غلط، عصام هو اللي كان بيعمل كل ده.."
​"اسكتي!" زعقت فيها، "عصام مات عشان يحميني، وأنتي اللي قتلتي أبويا."
​أمي بصت لي، وعينيها لمعت بدموع فرحة مخلوطة برعب: "سيف؟ أنت سيف؟"
​في اللحظة دي، النور كشف الدنيا بره.. سرينات بوليس ملت المكان. دكتورة نادية مكنتش لوحدها، الفلاشة كان فيها تسجيلات وصور خلت الحكومة تتحرك في ثواني.
​البوليس دخل الأوضة، وسعاد وقعت في الأرض وهي بتصرخ بهستيريا. الظابط أخد منها المسدس وكلبشها هي والبلطجية اللي معاها.
​جريت على أمي..  كان بقاله 18 سنة مستني اللحظة دي. ريحتها كانت هي "الأمان" اللي كنت بدور عليه في كل حتة وملقيتوش.
​بعد شهرين:
​قاعدين في بيتنا الجديد، بيت هادي ملوش علاقة بالماضي.
أمي بدأت تسترد صحتها، والـ 600 ألف جنيه اللي عصام سابهوملي فتحنا بيهم مشروع صغير، وقدمت في جامعة خاصة عشان أعوض اللي فاتني في الثانوية العامة.
​سعاد اتحكم عليها بالمؤبد بتهمة القتل والخطف والتزوير.
وعصام.. عصام اندفن في مدافن عيلته، وروحت زرت قبره وحطيت عليه ورد، وقولتله: "أنا مسمحاك يا بطل."
​بصيت لأمي وهي بتشرب الشاي في البلكونة، وابتسمت. الرحلة كانت صعبة
ومؤلمة، بس أخيراً.. القطر وصل للمحطة الصح.

تم نسخ الرابط