في عيد ميلادي ال ٣٨ انجي الخطيب
في عيد ميلادي ال 38، ابني يحيى عنده 11 سنة، شد إيدي فجأة ووشوشني بكلمة واحدة خلت جسمي كله يتنفض متاكليش من التورتة يا ماما.
كان وشه شاحب، مخطوف، وعينه فيها نظرة خوف حقيقية. التورتة دي أختي ليلى هي اللي عملاها بإيدها، وكانت واقفة وسط الناس بتبتسم ابتسامة عريضة ومنورة. أنا صدقت ابني.. وبعدها ب 30 دقيقة بالظبط، الباب خبط.. وكان البوليس.
اسمي لورين، وفي الليلة اللي كملت فيها تمانية وتلاتين سنة، عرفت إن أكتر ناس بيبتسموا في وشك على سفرتك، هما هما اللي بيدعوا من قلبهم إن حالك يقف وحياتك تتهد.
لو كنت عديت قدام بيت أهلي في المعادي ليلتها، كنت هتشوف الصورة اللي حاولت سنين أقنع نفسي إنها حقيقة عيلة دافية، متماسكة، وطبيعية. البيت القديم بجنينته الواسعة، وشجر المانجو اللي رمي ضله على السور، والأنوار اللي أمي علقتها في البلكونة. أبويا كان واقف قدام الشواية كأنه ملك في مملكته، ماسك المساكة والدخان طالع حواليه وهو بيحكي نفس حكايات الكورة والزمن الجميل اللي بيحكيها بقاله عشرين سنة. ضحك، خبط معالق، صوت التلج في الكوبايات، وريحة المشويات اللي مالية المكان.
وبعدين.. ظهرت التورتة.
كانت محطوطة في نص السفرة تحت النجفة، بتلمع كأنها وعد جميل. شوكولاتة تقيلة، كريمة بيضا مرسومة بدقة، واسمي مكتوب عليها بخط عربي جميل لورين. وردات صغيرة متوزعة على الجناب.. كانت تحفة، والحق يتقال ليلى أختي شاطرة، وشالتها وقدمتها وهي بتضحك ضحكتها المتدربة اللي خلت الكل ينبهر بيها قبل حتى ما يدوقوا.
تسلم إيدك يا ليلى، فنانة والله، واحد من قرايبنا قالها بصوت عالي.
أمي وشها نور بالبصة الخاصة اللي مش بتطلع غير لليلى وقالت بنتي طول عمرها نفسها حلو في كل حاجة.
ليلى ضحكت بخجل مصطنع وقالت دي حاجة بسيطة.. لورين تستاهل كل خير.
في اللحظة دي.. يحيى مسك إيدي.
يحيى ابني من صغره وهو نبيه، عينيه بلقط كل حاجة وسكوته دايمًا وراه حكمة. في قعدات العيلة كان دايمًا بيبقى مراقب أكتر منه لَعبي. بيحس بالتوتر اللي الكبار بيحاولوا يداروه ورا الرغي. لما ضغط على إيدي، كانت قبضته فيها استغاثة خلتني أنزل لمستواه فورًا.
وشه كان لونه كركم.. أبيض ومخطوف.
قرب من ودني، وبصوت مهزوز يكسر القلب، همس متاكليش من التورتة.
الدنيا حواليا فجأة بقت صامتة، رغم الدوشة. ضحكة أمي، حكاوي أبويا، حركة ليلى وهي ماسكة
يحيى ابني عمره ما كذب.. والأطفال مبيعرفوش يشرحوا الخوف، بس بيعرفوا يحسوا بالخطر لما يقرب.
أول رد فعل عندي كان إني أسأله ليه؟، بس تاني رد فعل كان أقوى صدقيه.
هزيت راسي براحة عشان محدش ياخد باله، وقمت وأنا برسم ابتسامة هادية، رغم إن قلبي كان بيدق زي الطبلة. شريف جوزي لمح نظرة عيني، حس إن في حاجة غلط. هزيت له راسي لأ خفيفة جداً.
تعالي يا لورين.. تعالي اقطعي التورتة واتمني أمنية، ليلى كانت بتنادي وهي ماسكة السكينة.
مشيت ناحية السفرة لأن مكنش ينفع أعمل غير كدة. الرفض ليلتها كان معناه فضيحة ووشوشة، وأنا عمري كله قضيته بتعلم إزاي أداري وجعي ورا قناع الذوق والأدب.
الأوضة كانت زحمة، وريحة الشوي مع ريحة الشوكولاتة عملت خنقة في صدري. ليلى مدت إيدها بالسكينة، ولمست كوعي بإيدها التانية.. إيدها كانت ساقعة زي التلج.
الناس مستنية يا حبيبتي، قالتها بنعومة مستفزة.
ابتسمت وقلت ثواني بس أشوف شريف ويحيى محتاجين حاجة.
هربت منها ورحت لشريف. شريف هو السند اللي أهلي مفهموهوش.. راجل هادي، مبيحبش المنظرة، بيبني في
شريف مأسألش ليه. شريف بيفهم لغة عيني. ملامحه اتغيرت فوراً، الضحكة اختفت وظهر وراها راجل صياد بيحمي بيته. اتحرك ناحية يحيى ووقف جنبه، وكأننا بقينا في جبهة تانية غير اللي الناس قاعدة فيها.
بصيت لليلى.. كانت لسه بتوزع أطباق، وأمي بتمدح في نفسها وفي شطارتها، وكأن التورتة دي شهادة تقدير لأخلاقها مش مجرد كيكة.
الوجع القديم صحي جوايا. وجع البنت اللي دايمًا كانت رقم 2 في بيت أبوها. ليلى هي الكبيرة، هي اللي ضحكتها حلوة، هي اللي كلامها معسول، وهي اللي دايمًا مظلومة ولازم لورين تستحملها.
لورين عاقلة ومكبرة دماغها.. ليلى حساسة يا بنتي، عدي لها.
دي كانت لغة بيتنا. الضحية هي اللي لازم تعتذر عشان المركب تمشي.
أنا نجحت بره البيت ده.. بقيت شاطرة في العقارات، بنيت اسمي من الصفر بجهدي وشغلي. ليلى لما شافت نجاحي، قررت تشتغل في نفس المجال.. دخلت المكتب وادعت إنها فخورة بيا، وأمي كانت طايرة من الفرحة إننا هنبقى مع بعض.
بس الشغل مع ليلى كان حرب باردة. ليلى كانت بتشوف كل صفقة بخلصها إهانة ليها. كل كلمة شكر من