في عزومة عائلية ٣

لمحة نيوز

حبست أنفاسي وأنا شايفة عمر بيغيب بين إيديا، وجسمه اللي كان دايماً دافي بدأ يبرد بشكل مش طبيعي، كأنه بيتحول لتمثال تلج. صوت أمي اللي جاي من البلكونة كان فيه نبرة جوع مش بشري، جوع لشيء أغلى من اللحمة.. جوع للروح اللي سندت البيت.
ليلة النداهة الملعونة
عمر همس بصوت يدوب مسموع وهو مغمض عينيه
ما تروحيلهاش يا ماما.. هي مش عاوزة تاكل.. هي عاوزة تبدل.. عاوزة ترجع الدنيا وتسيبي مكانها حد.
فجأة، الهوا في الشقة بقى رصاص، وسماح اللي كانت فاقدة النطق بدأت تضحك ضحكة مكتومة وهي بتشاور بصابعها المرتعش ناحية البلكونة. الخيال اللي واقف هناك بدأ يتحرك، أمي دخلت الصالة، بس مش ماشية.. كانت بتتزحلق على الأرض كأن ملهاش رجلين، ولابسة نفس الجلابية اللي ماتت فيها، بس الجلابية كانت بتنقط زيت مغلي.
تعالي يا ندى.. هاتي الواد ده في حضني.. وحشتني ريحته، ووحشني طعم براءته.
رجعت لورا وأنا ضامة عمر لصدري بكل قوتي
إنتي مش أمي! أمي راحت للي خلقها.. إنتي إيه؟ وشيطانك عاوز مننا إيه؟
الكيان اللي واخد شكل أمي وقف في نص الصالة، وملامح وشها بدأت تسيح وتتغير، لحد ما ظهر وش ست عجوزة غريبة، وشها كله تجاعيد محفورة كأنها خريطة مقابر، وعينيها كانت عبارة عن فتحات سودة مفيش فيها نني.
أنا الخادم اللي أمك والستات دول ندهوه لما الغل ملى قلوبهم.. أنا اللي قبضت تمن العهد، والورث اللي باباكي خباه مدهون ب زفت من قعر جهنم.. الأرض دي مش ليكي يا ندى.. الأرض دي مقبرة للي يحاول يملكها!


سر الصفيحة والمقبرة
في اللحظة دي، يوسف اللي كان مغمي عليه بدأ يتشنج، وجسمه اتقوس بطريقة مرعبة لحد ما راسه لمست كعوب رجليه، وطلع من حنجرته صوت كلب بينبح بوجع.
الست العجوزة شاورت على الصفيحة اللي فيها حجة الأرض
افتحي الورقة يا ندى.. شوفي السطر الأخير اللي أبوكي مالحقش يكتبه!
مسكت الورقة وإيدي بتترعش، وبدأت الحروف تتغير قدام عيني.. الكتابة اللي كانت بخط بابا بدأت تسود وتتحول لرموز غريبة، وفي آخر الورقة ظهرت جملة مكتوبة بالدم الناشف
الأرض لا تُورث إلا ل الذبيح.. ومن يلمس التراب، يسكن التراب.
 
فهمت اللعبة.. بابا مكنش بيأمن مستقبلي، بابا كان بيفديني.. الأرض دي كانت ملعونة، وهو كتبها باسمي عشان اللعنة تدور عليا أنا مش على حد تاني، بس سماح ومنال بجهلهم وغلهم افتكروها كنز، وفتحوا باب مكنش ينفع يتفتح!
المواجهة الأخيرة في صالة الموت
سماح قامت فجأة، وهجمت على الصفيحة عاوزة تاخد الورق وهي بتصوت
بتاعتي! الأرض دي بتاعتي! أنا اللي دفعت التمن.. أنا اللي أكلت لحم القرايب!
لكن أول ما إيد سماح لمست الورقة، صرخت صرخة شقت سكون الليل.. إيدها بدأت تتآكل وتتحول لرماد قدام عينينا، والورقة بدأت تطلع دخان أخضر ريحته كبريت.
عمر فتح عينيه فجأة، وعينيه كانت بتلمع بلون فضي غريب، وقف على رجله وكأن قوة تانية هي اللي بتحركه، ومسك الخاتم الفضة اللي كان ساح على الأرض وبقى زي الخنجر الصغير
اللي اتكتب بالدم، ما يتمسحش غير بالرضا.. يا تسيبي الأرض يا تاخدي
الروح يا عجوزة!
الست العجوزة ضحكت
ومين اللي هيرضى يسيب الملك؟
بصيت لعمر، وبصيت لسماح اللي بتتحرق، وليوسف اللي بينازع.. وفي لحظة، أخدت أصعب قرار في حياتي. مسكت حجة الأرض ورميتها في وسط السائل الأحمر اللي بيغلي على أرض المطبخ وقلت بصوت عالي
أنا متنازلة! لا أرض ولا ورث ولا غل.. أنا بقطع العهد بدمي وقلبي!
البيت كله اتهز هزة عنيفة، وصوت انفجار مكتوم جه من تحت الأرض.. الست العجوزة بدأت تتلاشى وهي بتطلع صوت فحيح زي التعابين، والضلمة بدأت تنسحب من الشقة.
الهدوء الذي يسبق...؟
لما النور رجع، لقيت نفسي واقفة في نص الصالة.. سماح كانت واقعة مغمي عليها وإيدها سليمة بس لونها بقى باهت كأن مفيش فيها دم. يوسف رجع طفل طبيعي بس نايم نوم عميق. ومنال اختفت تماماً، مسبتش غير ريحة شياط في المطبخ.
عمر بص لي وهو نهجان، ورجع لحضني
خلصت يا ماما؟
قلت له وأنا بدمع
خلصت يا حبيبي.. الغل أكل أصحابه.
لكن لما جيت أقوم عشان أسند عمر، عيني وقعت على المراية اللي في الصالة.. وشفت حاجة خلت قلبي يقف. خيال بابا كان واقف ورايا، بس مكنش بيضحك.. كان بيعيط دم، وشاور بصباعه على الخاتم اللي لسه في إيد عمر.
الخاتم مكنش فضة.. الخاتم بقى أسود تماماً، ومنقوش عليه اسم جديد.. اسم مكنتش أتمنى أشوفه أبداً.
اسم يوسف.
صوت خبط هادي جداً رجع تاني على باب الشقة.. تكة.. تكة.. تكة.. بس المرة دي، الصوت مكنش جاي من بره.. الصوت كان جاي من جوه الحيطة نفسها!
صوت الخبط اللي جوه الحيطة كان
بيزيد، والبيت بدأ ينبض وكأن الجدران بقت صدر كائن حي بيتنفس بصعوبة. عمر ابني فضل باصص للخاتم اللي في إيده بذهول، الاسم المنقوش يوسف كان بيلمع بنور أحمر خافت، وكأن الخاتم اختار صاحبه الجديد.
ليلة تبديل العهود
سماح بدأت تفوق، بس مكنتش سماح اللي نعرفها.. عينيها كانت مطفية تماماً، وقامت وقفت وهي بتتحرك زي المكنة، وبصت لعمر وقالت بصوت هادي يرعب
الخاتم مبيغلطش يا ندى.. الأرض راحت، بس الخدمة فضلت.. والخدمة لازم لها سيد، ويوسف مابقاش ينفع، عشان القلب اللي أكله كان مسموم بغلي.
قربت من عمر وبحاول أسحب الخاتم من إيده، بس الخاتم كان لزق في جلده كأنه جزء من عظمة. صرخت في سماح
خدي ابنك واطلعي بره! إنتي دمرتي كل حاجة، سيبي عمر في حاله!
سماح ضحكت ضحكة صفرا
أنا ماليش يد.. جدي هو اللي اختار.. جدي شاف إن عمر أنضف وعاء يشيل السر.. وعشان السر يكمل، لازم حد يروح يحرسه هناك.. في المكان اللي باباكي دفن فيه الصفيحة.
سر المقبرة المنسية
فجأة، الباب السلك بتاع البلكونة اتفتح بقوة، ودخل منه غراب أسود ضخم، وقف على كتف عمر وبدأ ينقر في الخاتم. عمر مكنش بيتوجع، كان في حالة غيبوبة وهو واقف، وبدأ يتكلم بلغة غريبة، لغة تشبه صوت احتكاك الحجر
التراب جاع.. والعهد اتنقل من الورق للدم.. يا ندى، روحي لبيت أبوكي القديم في البلد.. هناك الأمانة الحقيقية.. الخاتم ده مفتاح، ومفتاحه مش هيفتح غير باب القبر اللي باباكي بناه فوقه البيت.
أنا مكنتش فاهمة حاجة، بس كان لازم
أتحرك قبل ما عمر يروح مني. أخدت عمر في
 

تم نسخ الرابط