في عزومة عائلية ٣

لمحة نيوز


حضني وحاولت أخرجه من الشقة، وسماح كانت ماشية ورايا زي الظل وهي شايلة يوسف اللي مبيتحركش.
نزلت السلم والجيران كلهم كانوا قافلين أبوابهم، مفيش صوت طالع غير صريخي المكتوم. ركبت أول عربية رايحة البلد، وطول الطريق كنت شايفة خيال الكلب اللي عينيه بشرية بيجري ورا العربية.. كأنه بيحرسنا، أو بيسوقنا لمصيرنا.
في بيت النايب بيت جدي
وصلنا البيت القديم.. بيت مهجور من سنين، ريحته تراب وعفن. أول ما دخلنا، عمر جري ناحية المندرة القديمة، 
عمر! كفاية يا ابني هتموت!
عمر مردش، وطلع من تحت الأرض صندوق صغير من خشب الأبنوس، متقفل بسلاسل حديد. أول ما الخاتم اللي في إيد عمر لمس السلاسل، السلاسل دابت وكأنها مية نار.
فتحت الصندوق وأنا حابسة نفسي.. ملقيتش ذهب ولا ورق.. لقيت كفن صغير، وجواه جمجمة طفل، ومكتوب عليها بالزعفران
العدل غاب يوم ما ياسين اتدفن حي.. ومن يومها، والبيت ده مش هيشوف نور إلا لما يرجع الحق لصاحبه.
اللحظة الفاصلة
سماح أول ما شفت الجمجمة، وقعت على ركبها وهي بتصوت
ياسين! أخويا اللي قالوا إنه تاه وهو صغير؟ بابا دفنه هنا؟
صوت جدي رن في المكان كله، بس المرة دي كان صوت غضبان
الورث كان تمن السكوت يا ندى! أبوكي خاف على العيلة، فدفن الجريمة ودفن معاها قلبه.. واللحمة اللي منال طبختها كانت دية لروح ياسين.. بس الروح مش عاوزة دية.. الروح عاوزة بديل!
يوسف فاق فجأة، ووقف قدام الصندوق، وبدأ جسمه يطول

ويتحول لنفس شكل الكيان اللي شفناه قبل كدة، ومد إيده لعمر
هات الخاتم يا عمر.. الخاتم ده بتاعي أنا.. أنا اللي جيت من نسل الظلم، وإنت اللي جيت من نسل الحق.. لازم واحد فينا يسكن الصندوق، والتاني يعيش باللعنة!
عمر بص لي نظرة أخيرة، نظرة فيها وداع مرير، ورفع إيده اللي فيها الخاتم.. وفجأة، البيت كله بدأ يقع فوق دماغنا، والتراب ملى المكان.
في وسط العفرة، شفت إيد بتتسحب جوه الأرض.. وإيد تانية بتمسك فيا بقوة.
بصيت جنبي وأنا بكح من التراب، لقيت عمر واقف جنبي، بس الخاتم اختفى.. وبصيت ناحية الصندوق، لقيت يوسف ممدد مكانه، وعينيه مفتوحة للسما، والدموع اللي نازلة منه كانت فضة سائلة.
سماح صرخت صرخة أخيرة واختفت جوه الضلمة مع ابنها.. والبيت هدي تماماً.
النهاية.. أو البداية؟
رجعت البيت مع عمر، وحاولت أقنع نفسي إن الكابوس خلص. بس وأنا بغسل وشي في الحمام، بصيت في المراية.. ملقتش وشي.
شفت وش منال وهي بتضحك لي من ورا القزاز، وبتقول
فاكرة إنك خلصتي يا ندى؟ إنتي أخدتي عمر.. بس نسيتي إن اللحمة لسه في بطننا كلنا.. والزرع اللي هيطلع من أرض أبوكي، هيكون سقاه دم ياسين!
بصيت لإيد عمر وهو نايم، لقيت وشم أسود بدأ يظهر مكان الخاتم.. وشم على شكل سلسلة.
الخاتم مروحش.. الخاتم دخل جوه دم عمر.
حكايات رومانى مكرم 
الساعة دقت ١٢ بالليل، والكهرباء قطعت كالعادة، بس المرة دي النور مجاش.. الضلمة كانت مادية، لدرجة إني كنت
بحس بلمسها على جلدي. فجأة، سمعت صوت مضغ عالي جاي من الصالة.. صوت أسنان بتقرقش عضم.
قمت برعشة وسحبت كشّاف الموبايل، نورت ناحية السفيرة.. وشفت منال وسماح قاعدين على الكراسي، بس أجسامهم كانت عبارة عن خيالات مهزوزة، وقدامهم طبق اللحمة المحروقة اللي مبيخلصش.
سماح بصت لي وعينيها كانت عبارة عن فصين ملح
الوليمة لسه مخلصتش يا ندى.. ياسين الصغير محتاج يرم عضمه، وعمر هو اللي شايل المفتاح.
خروج ياسين من الصندوق
فجأة، الأرضية انشقت في نص الصالة، وطلع منها دخان ريحته تراب مبلول بدم. ومن قلب الدخان ظهر طفل صغير، لابس هدوم قديمة من بتاعة زمان، بس وشه مكنش فيه ملامح.. كان بياض كامل ممسوح، وفي نص البياض ده عين واحدة بشرية بتلمع بغل.
ده ياسين.. عمي اللي اندفن حي عشان الورث يفضل لجدودنا.
ياسين شاور بصباعه الصغير ناحية أوضة عمر، والحيطة بدأت تتفتح زي الجرح. عمر خرج وهو ماشي منوّم مغناطيسياً، ورفع إيده اللي عليها وشم السلسلة. السلسلة بدأت تفك من جلده وتتحول ل تعبان أسود لف نفسه حوالين رقبة ياسين.
العدل يا ندى.. إنتي قلتي إنك متنازلة، بس التنازل مش كلام.. التنازل تضحية.
المواجهة النهائية كسر العهد
الخوف في قلبي اتحول ل جنان. أنا مش هسيب ابني يضيع عشان غدر حصل من سنين. جريت على المطبخ، وجبت سكينة اللحمة الملعونة، وجرحت كف إيدي ونزلت دمي في طبق اللحمة اللي سماح ومنال بياكلوا منه.
يا ياسين! لو عاوز دم، خدي
دمي أنا.. أنا اللي من نسل اللي ظلمك، عمر ملوش ذنب! الدم ده هو الدية الحقيقية، واللحمة دي هي قربان الوداع!
أول ما دمي نزل على اللحمة، الطبق ولع نار زرقاء. سماح ومنال صرخوا صرخات خرمت وداني وبدأوا يسيحوا زي الشمع. ياسين قرب من الطبق، وبص لدمي، وبدأت ملامح وشه تترسم لأول مرة.. ظهر وش طفل بريء، وعينيه كانت مليانة دموع.
ياسين بص لعمر، وفك التعبان من رقبة عمر ورماه في النار، وقال بصوت طفل حزين
أنا كنت عاوز حد يلعب معايا في الضلمة.. بس ريحة دمك يا ندى فيها ندم.. وأنا شبعت ندم.
الخاتمة الرماد الباقي
مع أول خيط فجر، كل حاجة اختفت. ياسين، وسماح، ومنال، وحتى طبق اللحمة. البيت رجع هادي، بس هدوء نضيف لأول مرة من سنين.
بصيت على إيد عمر، الوشم اختفى وساب مكانه ندبة بسيطة كأنها جرح قديم ولمّ. عمر فتح عينيه وبص لي بابتسامة صافية
ماما.. أنا حلمت إن جدي بيبوس راسي وبيقول لي سامحني.
أخدت عمر في حضني وخرجنا من الشقة دي للأبد. سبت فيها كل حاجة.. العفش، والذكريات، وحتى حجة الأرض اللي حرقتها وذريت رمادها في الهوا.
لكن...
وأنا بقفل باب الشقة بالمفتاح لآخر مرة، عيني وقعت على الأرض قدام العتبة. لقيت خاتم الفضة القديم مرمي، بس الفص بتاعه بقى أبيض زي اللؤلؤ.
أخدت الخاتم ولبسته، وحسيت بدفا غريب بيسري في جسمي. وعرفت إن الحارس مبيسبش مكانه، بس المرة دي، هو مش بيحرس سر.. هو بيحرس الناجين.
انتهت الحكاية.. والظلم
مهما طال ليله، لازم يدوب في نار الحقيقة.
تمت.

 

تم نسخ الرابط