بعد ٣ اسابيع من الطلاق
بعد تلات أسابيع من طلاقي، نقلت أنا وبنتي هنا اللي عندها عشر سنين لبيت إيجار في أطراف مدينة الشيخ زايد. قلت لنفسي دي البداية الجديدة اللي بنحلم بيها، بداية لشيء أحسن.
بقلم مني السيد
البيت كان صغير بس نضيف، واجهته هادية، وليه جنينة صغيرة ورا، وشوية شجر كان شكلهم يطمن في وقت الغروب. بعد الشقة اللي كنت عايشة فيها مع طليقي في آخر سنة سودة في جوازنا، البيت ده كان بالنسبة لي نفس برتاح فيه. مفيش رزع أبواب، مفيش سكوت يقطع القلب وقت العشا، ومفيش خوف من إن أي خناقة عادية تتحول لجدال عنيف عن الفلوس، أو الحضانة، أو قد إيه أنا أم مقصرة.
بنتي هنا كانت متأثرة بالطلاق أكتر ما بتبين. هي بطبعها هادية، رفيعة، وليها عينين رمادي واسعة بتخلي أي حد يتكلم قدامها يوزن كلامه. من ساعة الانفصال، بقت بتلاحظ كل حاجة.. تلاحظ حلق ضايع على الأرض، عربية غريبة عدت مرتين، أو نبرة صوت حد بيكدب. أبوها كان بيقول عليها حساسة زيادة، بس أنا كنت بشوفها لماحة.
أول كام يوم عدوا عادي. كنا بنرص الأطباق، ونتخانق هنعلق مكتبتها فين، وناكل دليفري فوق كراتين العزل والتلفزيون شغال بصوت واطي. كنت دايمًا بقول لها يا حبيبتي، البيت بكرة هياخد علينا ونحبه، كانت بتهز رأسها من غير اقتناع. متوفرة على روايات و اقتباسات
بعد أربع أيام بالظبط، وأنا واقفة في المطبخ بغسل فاكهة، لقيتها واقفة ورايا وبتقول بصوت واطي أوي ماما.. أنا مش شايفة إننا ينفع نفضل هنا.
بصيت ورايا باستغراب ليه يا هنا؟
هزت كتفها بحركة فيها توتر، كأن جسمها حاسس بحاجة عقلها مش عارف يشرحها مش عارفة.. بس لازم نمشي. وبسرعة.
ضحكت خفيف، لأني مكنتش عارفة أقول إيه يا حبيبتي البيوت الجديدة بيبقى ليها هيبة في الأول.
هنا مضحكتش.. قالت بجمود الموضوع مش كدة خالص.
نشفت إيدي وقعدت قدامها على ركبي في حاجة حصلت؟ حد ضايقك؟
لأ.
شفتي حد غريب حوالين البيت؟
ترددت لحظة.. وده خلاني أنتبه هنا.. اتكلمي.
بصت ناحية باب البلكونة ورجعت بصت لي أنا شفت راجل امبارح.
معدتي وجعتني من القلق فين؟
عند السور.. لثانية واحدة بس.
شكله إيه؟
مش عارفة.. كان لابس جاكيت كحلي غامق، وأول ما بصيت عليه مشي علطول.
الموضوع كان مقلق، بس مش مستحيل. إحنا في منطقة جديدة، يمكن حد من الجيران، يمكن عامل بيصلح حاجة. سألتها لو كلمها، قالت لأ. سألتها لو شافتُه تاني، قالت برضه لأ.
كان لازم أخد كلامها بجدية أكتر من كدة..متوفرة على روايات و اقتباسات
بس اللي عملته إني قفلت باب البلكونة، واتأكدت من الشبابيك قبل ما أنام، وقلت لنفسي إنها بس قلقانة عشان كل حاجة في حياتنا اتغيرت فجأة.
الساعة كانت 217 الصبح.. هنا هزتني من كتفي بقوة خلت سناني تخبط في بعض.
ماما.. همست بصوت غريب.. صوت رفيع، مرعوب، ومستعجل ماما.. بصي من الشباك.
قمت وأنا لسه نص نايمة، ساندة على كوعي. ضوء القمر كان داخل من فتحة الستارة وضارب في الأوضة بلون أزرق باهت. هنا كانت واقفة حافية جنب سريري، ولابسة بيجامة الديناصورات بتاعتها، ووشها كان أبيض زي الورقة.
في إيه؟
شاورت بإيدها ناحية الشارع.
شديت الستارة سنتيمترات بسيطة..
كان فيه راجل واقف الناحية التانية من الشارع، مبيتحركش، تحت عمود نور مطفي، ووشه باصص لبيتنا بالظبط.
وفي إيده.. كان ماسك حاجة شكلها بالظبط زي كاميرا.
متوفرة على روايات و اقتباسات
كل ذرة نوم طارت من عيني في ثانية.
نزلت الستارة بسرعة وسحبت هنا تقعد جنبي على الأرض جنب السرير، وقلت لها بصوت واطي ومخطوف شافك؟
هزت رأسها ب لأ وهي بتنهج بسرعة أنا صحيت وبصيت من الشباك بالصدفة.. كان واقف كدة أصلاً.
مديت إيدي أجيب الموبايل من على الكومودينو وإيدي كانت بتترعش، مش حاسة إنها جزء مني. إن بنتك تقول لك البيت ده مش مريح حاجة، وإنك تلاقي غريب واقف في نص الليل، ساكن ومبيتحركش وعينه على شبابيك بيتك، حاجة تانية خالص.
طلبت النجدة.
والخط بيجمع، جازفت وبصيت بصه تانية من ورا الستارة.
لسه واقف..متوفرة على روايات و اقتباسات
طويل، لابس جاكيت غامق، وكاب نازل على عينه. كان رافع إيده اليمين قريب من صدره وماسك حاجة مستطيلة.. كاميرا، أو يمكن موبايل. مكنش بيتمشى، ولا بيدخن، ولا بيكلم حد. كان بس بيراقب البيت بتركيز مرعب، تركيز حد مستني لحظة معينة.
العمليات ردوا عليا. حاولت أسيطر على صوتي وأديتهم العنوان، ووصف الراجل، وقلت لهم إن بنتي شافته عند السور امبارح. الموظفة قالت لي إن فيه دورية قريبة وهتوصل، وطلبت مني أفضل مكاني بعيد عن الشبابيك.
هنا زحفت على السرير واترمت في حضني. حوضتها بإيدي وبقيت بسمع.
وفجأة.. سمعت الصوت.
مش من الشارع.
الصوت كان جوه البيت.. من الدور الأرضي متوفرة على روايات و اقتباسات تكة معدن خفيفة.. وبعدها تكة تانية.
حد بيحاول يفتح باب المطبخ.
جسمي كله اتخشب. هنا كمان حست بالصوت، بصت لي وعينيها وسعت من الرعب ماما؟
حطيت صباعي على شفايفي عشان تسكت متوفرة على روايات و اقتباسات
الصوت اتكرر تاني. المرة دي أبطأ.. وبقصد. حد بيجرب القفل، وبعدها هدوء، وبعدين صوت حاجة بتتحك في حلق الباب. مش صوت عالي يصحي حد نايم تقيل، بس صوت كافي جداً يخلي اللي صاحي يتأكد إنه مش بيتخيل.
همست للموظفة اللي معايا على الخط باللي سمعاه. صوتها اتغير وبقى حاد القوة قدامها دقيقتين بالظبط. خليكي مكانك.. متنزليش تحت مهما حصل.
في اللحظة دي، نور كشافات عربية ضرب في واجهة البيت.
بصيت من الستارة بسرعة، وشفت الراجل اللي كان واقف في الشارع بيرجع بضهره وسط الضلمة ويختفي بين العربيات المركونة. بقلم مني السيد
لما البوليس وصل، الراجل كان فص ملحه وداب.
اتنين أمنا شرطة فتشوا الجنينة بالكشافات، وظابطة دخلت تفتش الأبواب والشبابيك. هنا كانت ماسكة في هدومي ورافضة تسيبني. الظابطة سارة، ست عندها هيبة وهدوء، لقت آثار خدوش جديدة عند قفل الباب اللي ورا، وبصمة جزمة مليانة طين تحت شباك المطبخ. أدلة مش كافية للإدانة الكاملة، بس كانت كافية جداً بالنسبالي.
قالت لي وهي بتعين المكان ممكن يكون حد بيجرب البيوت.. وممكن يكون حد عارف إنك هنا.
الجملة دي وقعت عليا زي السكين.