أسورة دهب
المرة الأولى: شافتني وهي خارجة من الحضانة مع بنتها، اتفاجئت ووقفت مكانها ثواني، بصت لي بنظرة فيها تساؤل “أنت هنا بجد؟”، وأنا اكتفيت بابتسامة هادية وهزة راس بسيطة كأني بسلم عليها من بعيد.
المرة الثانية: كانت قاعدة في حديقة النادي، وبنتها بتلعب قدامها، ولمحتني وأنا داخل. المرة دي مهربتش بعينيها، فضلت باصة لي لثواني طويلة، وكأنها بتراجع ملامح الراجل اللي وقف جنبها في أضعف لحظاتها. شفت في عينيها لمعة كانت مطفية، وبدأ الوش الشاحب يرد فيه الروح من تاني.
كنت بحس إن المسافة اللي بينا، رغم إنها أمتار، لكنها مليانة كلام. هي عارفة إني براقبها، وعارفة إني مهتم، وأنا كنت قاري في عينيها إنها مش ممانعة، بس لسه “الخضة” من اللي فات مخلياها
وفي يوم، كنت واقف بشتري حاجة من محل قريب من بيت أهلها، ولقيتها خارجة. عيونا اتلت في نظرة مباشرة وصريحة، المرة دي هي اللي بدأت وابتسمت ابتسامة خفيفة قوي، يا دوب بانت على وشها، وكأنها بتقولي: “أنا شفتك.. وعارفة إنك مستني.”
ساعتها بس عرفت إن الوقت قرب، وإن “الأمانة” اللي كانت في محلي، خلاص مبقتش مجرد أسورة ذهب، دي بقت حكاية عمر لسه بتبدأ.
مرت الايام واصريت انى اعمل فرح كبير فرح يليق بينا
الفرح كان ليلة من ليالي العمر، ليلة اتحكت عنها في السوق كله. هو مكنش بيعمل فرح عادي، كان كأنه بيرد لها اعتبارها قدام الدنيا كلها. اختار أكبر قاعة، وعزم التجار والقرايب وكل اللي يعرفهم، عشان الكل يشوف “الجوهرة” وهي في مكانها الصح.
قبل
يوم الفرح، كانت القاعة بتنور بضحكتها اللي رجعت لها تاني. وهو واقف جنبها، عينه مش بتنزل من عليها، كأنه خايف تكون حلم ويصحى منه. البنت الصغيرة كانت بتجري بينهم بفستانها المنفوش، وهو كل شوية يشيلها ويبوس راسها قدام الناس، كأنه بيعلن للعالم: “دي بنتي، وده بيتي، والاتنين أغلى ما أملك.”
وفي ركن بعيد ومظلم بره القاعة، كان “طليقها” واقف، مستخبي ورا شجرة، بيراقب المشهد من
شافها وهي بتضحك من قلبها، شاف لمعة الفرحة الحقيقية في عينيها، وشاف بنته وهي في حضن راجل تاني بيعاملها كأنها حتة من روحه. ساعتها بس، حس بـ “حسرة” شقت قلبه نصين. حس إنه كان معاه كنز ورماه بإيده عشان يشتري “فص زجاج” رخيص.
دموعه نزلت وهو شايف الكوشة من بعيد، وعرف إن الندم مش هينفعه، لأن القطر فات، والأسورة اللي باعها بدموعها، رجعت تلمع في إيدها وهي ماسكة إيد “راجل” بجد، عرف يصونها ويقدر قيمتها. انسحب من المكان وهو حاسس إنه “قليل” بجد، وإن الدنيا دارت وادته الدرس اللي عمره ما هينساه.
تمت القصة بقلم