بعد ما اطلقت
بعد ما اطلقت ولقيت نفسي في الشارع ماليش سقف يداريني، اضطريت أقبل وظيفة ممرضة مقيمة لست أرملة بتودع الحياة.. بس اللي سمعته بالصدفة بالفرنساوي غير كل حساباتي!
الإعلان لفت نظري بالصدفة.. كنت قاعدة الساعة تلاتة الفجر بقلب في الموبايل وأنا قاعدة على شنطة هدومي في مدخل العمارة، الشقة اللي من يدوب كام ساعة كانت بيتي، ومبقتش.
أشرف غير الكوالين!
لا حذرني، ولا اتصل بيا.. ببساطة غيرها وخلاص. عرفت الموضوع وأنا راجعة من الشغل شايلة شنطتين خضار وطلبات البيت، ولقيت المفتاح مبيخشوش في القفل.
جارتي طنط ليلى فتحتلي الباب لما خبطت، بصتلي من فوق النضارة وناولتني كوباية مية وهي ساكتة.
كان شغال في الباب من الصبح.. سمعت صوت الشنيور، قالتها وهي مشفقة عليا.
مش محتاجة شرح.. 12 سنة!
12 سنة فاكرة إن الشقة دي بيتي، رغم إنها كانت مكتوبة باسم أشرف من قبل الجواز. 12 سنة بمسح في البلاط ده، وبختار الستاير دي، وبغير ورق الحيطة ده. وفي الآخر، وأنا عندي 41 سنة، لقيت نفسي في مدخل بيت جارتي بشنطتين خضار ومن غير سقف.
طنط ليلى فرشتلي الكنبة، بس عيني مغمضتش. فضلت أقلب في الإعلانات وأنا مش شايفة الكلام من الدموع.
مطلوب ممرضة مقيمة لسيدة مسنة.. إقامة كاملة ووجبات. الخبرة مطلوبة بس مش شرط، الأهم الصبر والأمانة.
قريت الجملة تلات مرات. إقامة كاملة.
ده كل اللي محتاجاه دلوقتي.. سقف يلمني ولو مؤقتاً. دوست تقديم وكتبت رسالة قصيرة أقدر أجي المقابلة في أي وقت.
الرد
دوست على الجرس واستنيت.
مين؟ صوت راجل، صغير في السن بس نبرته ماليانة زهق.
مريم إبراهيم.. بخصوص إعلان الممرضة.
لحظة سكوت.. وبعدين تكة البوابة وهي بتفتح.
قابلني راجل عنده بتاع 35 سنة. طويل، شعره أسود، وملامحه حادة كأنها منحوتة بصخر. بصلي بصه تفحيص وتدقيق كأني حتة عفش بيشوفها هتليق على الديكور ولا لأ.
كريم المنشاوي، قالها من غير ما يمد إيده. أنا حفيد ناناه نازلي. والدتي توفت وأنا عندي 7 سنين وهي اللي ربتني.. اتفضلي ادخلي.
جوه كان في سقعة غريبة.. مش برد جو، بس إحساس بالوحدة. سقوف عالية، باركيه قديم، ولوحات في براويز مذهبة تقيلة. كل حاجة غالية، وقديمة، ومهملة شوية.
جدتي عندها 83 سنة، كريم قال وهو ماشي قدامي في الطرقة. سرطان البنكرياس، في المرحلة الأخيرة. الدكاترة بيقولوا قدامها شهرين لتلاتة. هي متعرفش التشخيص ده، فياريت تاخدي بالك.
متعرفش إنها بتموت؟
وقف وبصلي هي عارفة إنها تعبانة جداً، بس التفاصيل دي مخبيينها عنها.
فهمت، قلتها رغم إني مش مقتنعة إن ده صح.
هي طبعها صعب، كمل كلامه وهو بيمشي تاني. طلباتها كتير، ومتعودة على نظام معين. الاتنين اللي جم قبلك استقالوا بعد أسبوع.
ليه؟
واحدة قالت إن ناناه بتتكلم كتير، والتانية قالت إنها مابتتكلمش خالص!
مقدرتش أمسك نفسي وابتسمت
وقف تاني وبصلي بصه أطول المرة دي أنا راجل مشغول.. وعشان كده محتاجين ممرضة.
نازلي هانم كانت نايمة في أوضة في الدور التاني.. الأوضة كانت منورة رغم كآبة الخريف بره. سرير خشب ضخم، كومة كتب على الكومودينو، وصور متبروزة على الحيطة. الست اللي في الصور كانت جميلة جمال مبيخلصش بالسنين، بس بيزيد رقي وفخامة.
نازلي هانم دلوقتي كانت رقيقة وشفافة زي ورقة شجر في الخريف، بس عينيها.. غامقة، صاحية، وفيها لؤم ذكي.. لسه هي هي صاحبة الصور.
كمان واحدة! قالتها وهي بتفحصني بنفس جراءة حفيدها، بس من غير كآبته. صغيرة.
واحد وأربعين سنة، قلتلها بوضوح.
يعني صغيرة.. اقعدي، متمشيش وتفضلي واقفة تسدي النفس.
قعدت على الكرسي اللي جنب السرير.
اسمك إيه؟
مريم.
مريم.. نطقت الاسم كأنها بتدوق طعمه. متجوزة؟
في إجراءات الطلاق.
عندك ولاد؟
لأ.
ليه؟
بربشت بعيني.. السؤال جه فجأة ومن غير استئذان. مصلتش نصيب.
مصلتش نصيب ولا مكنتيش عايزة؟
ناناه نازلي! كريم نده بلهجة تحذير من عند الباب.
اسكت إنت يا كيمو. بصتلي تاني وقالت جاوبي.
في الأول مصلتش نصيب، قلتلها بصدق. وبعدين عرفت إني مش عايزة منه هو ولاد.
من جوزك؟
أيوة.
يبقى تطلقي صح وتخلصي.
سندت ضهرها على المخدات وقالت أنا موافقة عليكي. بس خلي بالك مابحبش الكدب، ولا النحنحة، ولا الناس اللي بتمشي على طراطيف صوابعها عشان متزعجنيش. لو في حاجة غلط.. قوليها في وشي.
تمام، قلتلها.
وحاجة كمان.. غمضت
أول تلات أيام عدوا بهدوء. بدأت أتعود على البيت، ونظامه، وعلى الست نازلي. كانت فعلاً صعبة.. الشاي لازم درجة حرارة معينة، الكتب مترتبة بالملي، والشباك يتفتح بمقدار قبضة إيد بالظبط.
بس في نفس الوقت كانت شخصية ممتعة. بتقرأ أربع ساعات في اليوم.. كتب بالعربي والفرنساوي والإنجليزي. ساعات بصوت عالي لنفسها، وساعات تطلب مني أقرأ لها.
مخارج حروفك كويسة، قالتلي في اليوم التالت بعد ما خلصت فصل من رواية لموباسان. إنتي دارسة إيه؟
كلية تربية.. لغة عربية.
ومشغلتش في مهنتك ليه؟
اشتغلت 12 سنة.. وبعدين المدرسة قفلت، واشتغلت في مكتب ترجمة أوراق.
مر أسبوع على وجودي في الفيلا. بدأت نازلي هانم تتعود عليا، أو بمعنى أصح، بدأت تلاقي فيا الند اللي بتتسلى معاه. كانت ست مثقفة لدرجة مرعبة، وساعات كانت تختبرني في إعراب بيت شعر أو تسألني عن رأيي في نهاية رواية فرنسية مترجمة، ولما كنت بجاوب بذكاء، كنت بشوف في عينيها لمحة احترام مكنتش بتظهر لأي حد، ولا حتى لحفيدها كريم.
كريم كان لغز تاني خالص. بيجي الفيلا متأخر، يدخل أوضة مكتبه، يفضل يزعق في التليفون بخصوص صفقات وأرقام، ويطلع يبوس إيد جدته بآلية غريبة، كأنه بيأدي واجب تقيل عليه.
في ليلة من الليالي، الساعة كانت داخلة على اتنين بالليل. نازلي هانم كانت نامت بصعوبة بعد نوبة ألم شديدة رفضت فيها تاخد المسكن القوي، وقالتلي ببرود مش عايزة أغيب