رجعت البيت بعد العملية
غريبة في بيتي.
بابا بقى موجود ودي لوحدها كانت معجزة. لأول مرة كنت بشوفه بيصحى الصبح يشرب قهوته في الجنينة، يسألني نمتي كويس؟ جملة بسيطة، بس كانت بالنسبة لي حياة كاملة.
أما ڤيرا فكانت زي شبح. موجودة بس مش زي الأول. بقت هادية، منطوية، بتتجنب عيني. حاولت أكتر من مرة تكلمني، بس أنا ما كنتش جاهزة. مش كره لكن جرح لسه طازة.
وفي وسط كل ده كريم.
كريم ما اختفاش زي ما توقعت. بالعكس كان بيظهر في حياتي بهدوء، من غير ما يفرض نفسه. مرة ييجي يطمن، مرة يجيب دكتور، مرة بس يقعد ساكت جنبي في الجنينة.
وفي يوم، قال لي نادية فكرتي ترجعي الجامعة؟
سكت السؤال كان بسيط، لكن الإجابة تقيلة. قلت خايفة.
بص لي باستغراب خفيف من إيه؟
ابتسمت بحزن من إني أرجع أكون ضعيفة تاني من إني أرجع لنقطة الصفر.
هز راسه وقال بهدوء انتي عمرك ما كنتي صفر انتي بس كنتي في
الكلام دخل قلبي بشكل غريب يمكن لأول مرة حد يشوفني بالقوة دي.
وبالفعل رجعت.
أول يوم في الجامعة كان كأنه أول يوم في حياتي. الناس، الأصوات، الضحك كنت حاسة إني خارجة من كهف طويل. بس كنت رافعة راسي. مش البنت اللي بتستخبى لأ، دي واحدة نجت.
لكن الحياة ما بتديش راحة كاملة.
في يوم، وأنا راجعة البيت، لقيت عربية ڤيرا واقفة برا بس مش لوحدها. كان في شاب واقف معاها، وصوتهم عالي.
قربت وسمعت ڤيرا بتقول بانهيار أنا مش قادرة أكمل كده! أنا اتغيرت غصب عني!
الشاب رد بحدة انتي مش اتغيرتي انتي بس اتكسرتي!
الكلمة خبطتني لأن دي كانت حقيقتي أنا كمان.
ڤيرا شافتني وسكتت فجأة. الشاب بص لي ومشي.
وقفت قدامها لأول مرة من غير خوف.
قالت بصوت واطي نادية ممكن نتكلم؟
بصيت لها وكان واضح إنها مش نفس الشخص. عينيها فيها كسر وندم.
قعدنا.
سكتنا شوية وبعدين
ما رديتش.
كملت وهي دموعها بتنزل بس أنا اتربيت غلط اتعلمت إن القوة هي السيطرة وإن اللي يضعف يتداس عليه وأنا دُست عليكي.
قلبي وجعني بس مش زي زمان.
قالت لما كل حاجة اتسحبت مني فهمت. فهمت إحساسك.
سألتها بهدوء وجيتي تقولي ليه دلوقتي؟
بصت لي وقالت عشان أنا مش عايزة أفضل الشخص ده حتى لو انتي عمرك ما سامحتيني.
سكت
ولأول مرة حسيت إني أنا اللي في إيدي القرار.
قلت بهدوء أنا مش قادرة أنسى بس يمكن أتعلم ما أكررش نفس الوجع.
رفعت راسها وبصت لي بدموع يعني؟
قلت يعني البداية ممكن تكون إننا نحاول بس من غير تمثيل.
ومن اليوم ده بدأت حاجة غريبة. مش صداقة، ومش عداوة لكن محاولة.
ڤيرا بدأت تشتغل فعلًا، تتعب، تعتمد على نفسها. وأنا بدأت أثق في نفسي أكتر.
وفي يوم كريم طلب يقابلني.
قعدنا
اتصدمت تمشي؟ فين؟
قال شغل بره مصر فرصة كبيرة.
سكت حسيت بحاجة بتتسحب من جوايا.
قال بهدوء بس قبل ما أمشي كنت عايز أقولك حاجة.
قلبي دق بسرعة.
ابتسم وقال أنا فخور بيكي.
ابتسمت بس عيني دمعت.
كمل و يمكن لو الزمن كان مختلف كنت طلبت أكون جزء من حياتك أكتر.
سكتنا والكلام كان أوضح من أي اعتراف.
قلت بهدوء يمكن لسه في وقت.
بص لي وابتسم.
مر سنة
أنا بقيت في سنة متقدمة في الجامعة، قوية، مستقلة. بابا بقى قريب، ڤيرا بقت إنسانة تانية مش كاملة، بس حقيقية.
وفي يوم وأنا قاعدة في نفس الجنينة
سمعت صوت عربية.
رفعت راسي
ونزل منها كريم.
ابتسم وقال اشتقتي لي؟
ضحكت وقلبي كان بيقول الإجابة قبل لساني.
أكتر مما تتخيل.
الحياة ما رجعتش زي الأول
هي بقت أحسن.
لأن نادية اللي كانت بتدخل البيت مكسورة بعد العملية ماتت.
واللي
اتخلقت من وجعها وبقت أقوى من أي حد كان ممكن يكسرها.