لما الضنا يبيع بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

لمحة نيوز


بكرامة.. ب سلطة.. ب قوة.
تاني يوم، المحامي لف بيا على أملاكي.. عمارة ورا عمارة.. محل ورا محل.. لحد ما وصلنا لعمارة محمود. المحامي قالي الإنذار وصلهم يا فندم، ومحمود قالب الدنيا وعايز يعرف مين المالك الجديد اللي رفع الإيجار فجأة كدة ومستنينا في مكتب إدارة العمارة.
دخلت المكتب.. كنت لابسة طقم شيك جداً، نظارة سوداء غالية، ورافعة راسي للسما. محمود كان قاعد مع نهى، بيزعقوا للمدير ده استهبال! إزاي الإيجار يترفع كدة؟ إحنا ساكنين هنا بقرار من والدي! فين المالك ده؟ أنا عايز أشوفه!
وقفت قدامهم.. خلعت النظارة ببطء.. الصدمة اللي شفتها في عيون محمود كانت تمنها عندي أغلى من ال 10 مليون جنيه. نهى وشها بقى لون الفستان الأحمر اللي كانت لابساه يوم ما ضربتني.. ومحمود قام وقف ورجله بتخبط في بعضها م.. ماما؟
بصيت له ببرود وقلت أهلاً يا محمود.. أهلاً يا نهى.. المالك الجديد وصل.. وأعتقد إن ال 4000جنيه إيجار الشهر ده استحقوا.. ولا تحبوا تخلوا الأوضة بكرة الصبح وتدوروا على فندق؟
يا أهلاً بيكي يا فنانة.. الحكاية كده وصلت لمحطة تكسير العظام، والمواجهة اللي الجمهور كله مستنيها. هنية مابقتش الست اللي بتنظف وتمسح، دي بقت الهانم اللي بتحرك الخيوط من ورا الستارة.
المحامي رأفت بص لي في مكتبه وقالي وهو مبهور يا مدام هنية، صافي الدخل من أملاكك بيوصل ل 45 ألف جنيه في الشهر.. يعني أنتي معاكي ثروة بتزيد عن 400 ألف جنيه كل سنة!
وأنا اللي كنت بشحت طبق شوربة في الكنيسة.. يا سخرية القدر! بس في اللحظة دي، مكنش في قلبي غير خطة واحدة.. خطة باردة، محسوبة، وصابرة لأقصى حد. قلت لرأفت عايزة تغييرات جذريّة، بس من غير ما حد يعرف إني أنا اللي وراها.. عمارة شارع المغفرة تترفع إيجاراتها لسعر السوق فوراً، وأي حد كان واخد حبّة دلع من المرحوم جوزي، الدلع ده يخلص.. العمارة دي بيزنس، مش جمعية خيرية!
وفي خلال أسبوعين، هنية اتغيرت تماماً.. رحت لأكبر بيوتي سنتر، صبغت شعري بلون كستنائي

شيك خفى كل الشيب، اشتريت طقم تايور رمادي حرير، ونظارة مودرن.. مابقتش الست الكركوبة اللي كانت بتطبخ في مطبخ محمود.. بقيت هانية هانم، صاحبة شركة هيريتدج هولدنغز.
الإنذارات وصلت للسكان.. ومحمود ابني كلم المحامي 7 مرات وهو هيتجنن إزاي الإيجار يترفع كدة؟ أنا كان عندي عقد خاص مع المالك القديم! رأفت رد عليه ببرود العقد الخاص مات مع صاحبه.. يا تدفع يا تخلي الشقة.
محمود مكنش معاه يدفع.. نهى مراته كانت بتصرف يمين وشمال على المظاهر الكدابة، لبس ومطاعم وديون في الفيزا.. محمود استلف من شركة قروض بفوائد عالية عشان يسدد شهر، بس الشهر اللي بعده غرق أكتر. وقلت لرأفت ابدأ إجراءات الطرد فوراً.. مفيش استثناءات.
جه يوم الجلسة.. لبست أشيك ما عندي، وحطيت لمسة مكياج دارت تجاعيد الوجع، ورحت المحكمة. قعدت في آخر بنج، ولبست النظارة السوداء عشان محدش يعرفني.. كنت مُراقب في مسرحية أنا اللي كاتبة سيناريو نهايتها.
محمود دخل القاعة.. كان شكله يصعب على الكافر؛ خاسس، وشه شاحب، وشعره منكوش. ووراه نهى لابسة فستان أخضر زمردي غالي جداً ومكياج كامل، كأنها رايحة حفلة مش محكمة طرد! كانت بتهتف في ودنه بغل وهو يهز راسه باستسلام.
القاضية دخلت وبدأت الجلسة قضية رقم 3478.. ضد محمود حسن. محامي محمود وقف يحاول يشحت عطف القاضية يا سيادة القاضية، موكلي ساكن في الشقة دي من 5 سنين، وكان ملتزم، والزيادة دي تعجيزية..
رأفت وقف بكل ثقة سيادة القاضية، المالك الجديد من حقه يرفع الإيجار لسعر السوق.. وموكل محمود متأخر في السداد بقاله شهرين.. القانون واضح، وموكلتي مابتديش مهلة لأي حد مبيحترمش العقود.
بصيت لمحمود من بعيد.. كان باصص في الأرض، إيده بترتعش.. نهى كانت بتبص للمحامي بتاعنا بحقد، وهي متعرفش إن موكلته قاعدة وراها ب 3 متر بس!
في اللحظة دي، افتكرت لما كنت واقعة على أرض مطبخه والدم نازل من راسي.. وافتكرت صوت التلفزيون وهو بيعلى عشان يغطي على صرختي.. وافتكرت ال 200 جنيه اللي رماهم
لي وهو بيطردني للشارع.
القاضية بصت في الورق وقالت كلمتها الأخيرة بناءً على المستندات.. يُحكم بطرد المدعى عليه من العين، مع إلزامه بدفع المتأخرات، ويُعطى مهلة 10 أيام للإخلاء الجبري.
الكلمة نزلت على محمود زي الصاعقة.. نهى بدأت تصرخ في المحامي بتاعهم وسط القاعة، ومحمود حط راسه بين إيديه وبدأ يعيط.. عياط قهر.
قمت من مكاني ببطء.. مشيت من جنبهم والريحة بتاعتي البرفيوم الغالي ملقت المكان.. محمود رفع راسه للحظة، شق في ملامحي، بس مكنش قادر يصدق إن الست الشيك القوية دي هي أمه الشغالة اللي رماها.
خرجت من المحكمة، ركبت عربيتي المرسيدس السوداء، وفتحت الموبايل.. لقيت رسالة من محمود بعتها من ساعة يا ماما.. أرجوكي ردي عليا.. أنا هترمي في الشارع أنا ونهى.. لو معاكي أي قرش ساعديني، أنا ابنك حبيبتك.
مسحت الرسالة.. وعملت له بلوك.. وبصيت للسواق وقلت له على الشركة يا ابني.. ورانا شغل كتير بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
يا فنانة.. دي مش مجرد نهاية، دي تربية حقيقية وقلم بيعلم في الذاكرة. هنية هنا مابقتش الأم الضحية، بقت الأم القوية اللي علمت ابنها إن الغلط له تمن، وإن الكرامة
مابتتشريش بالفلوس.
قعدت في مكتب رأفت، لابس طقم شيك ونظارتي الجديدة، وكنت هانية هانم بكل هيبتها. الباب اتفتح ودخل محمود لوحده.. أول ما شافني، وشه جاب ألوان؛ صدمة على ذهول على عدم تصديق. ماما؟!.. همس بيها كأنه شايف عفريت. قلت له ببرود يجمّد المية اقعد يا محمود.
بدأ يرمي كلام خايب أنا دورت عليكي.. أنا بعت رسايل.. قطعت كلامه زي السكينة كداب.. أنا راجعت موبايلي، مفيش رنة واحدة.. إنت بعد ما رميتني ب 200 جنيه، نسيت إن ليك أم أصلاً.
بدأ يعيط ويقول إن نهى هي اللي قالت وهو كان مضغوط.. بصيت له بقرف وقلت نهى؟ ومن إمتى يا محمود ومراتك هي اللي بتمشي علاقتك بأمك؟ إنت استسهلت تضحي بيا عشان تشتري دماغك منها. لما عرف إن العمارة ملكي، وإن ال 13 عمارة والملايين دي كلها بتاعتي، انهار.. قعد على الكرسي
وجسمه كله بيترعش يعني إحنا كنا بندفع إيجار ليكي؟ وليه ملقولتيش؟ عشان أعرف معدنك يا محمود.. عشان أشوف لو كنت غلبانة وماليش غيرك هتعمل فيا إيه.. وأدينا شفنا!
محمود حكى لي إن نهى سابته أول ما عرفت إنه هيطرد، وإن ديونه وصلت للسما، وإنه خسر شغله.. قالي بكسرة أنا بقيت في الشارع يا ماما.. زي ما عملت فيكي بالظبط.. ده الكارما مش كدة؟ قلت له أيوه يا محمود.. ده عدل ربنا.
محمود ساب الشقة وسلم المفاتيح ومشي ب 3 شنط بس.. مكنتش أعرف راح فين، وقلبي كان بياكلني، بس مسكت نفسي.. لازم يتعلم يقف على رجله كراجل، مش ك خيال مآتة لمراته.
أنا بقى.. سبت الفندق، واشتريت بيت صغير هادي، فيه جنينة ورد وشجر ليمون. رصيت صور حسن جوزي، وبدأت أتعلم رسم.. تخيلي؟ هنية اللي كانت بتقضي يومها في المواعين، بقت بتمسك الفرشة وترسم لوحات تعبر عن اللي جواها. بدأت أتطوع في الملجأ اللي كنت هنام فيه ليلة طردي.. بقيت أغرف شوربة للناس الغلابة، بس المرة دي وأنا صاحبة فضل، وأنا حاسة بيهم وبوجعهم.
عدى 3 شهور.. وفي يوم سبت وأنا بسقي الورد، الموبايل رن.. رقم غريب. ألو؟ ماما.. ده أنا محمود. صوته كان متغير.. صلب شوية. حكى لي إنه لقى شغل في مخزن، ورديات ليل، وإنه مأجر أوضة وصالة على قد حاله وبيسدد ديونه قرش بقرش.. وقالي أنا مش عايز منك فلوس يا ماما.. أنا بس عايزك تعرفي إني بحاول.. بحاول أكون الراجل اللي بابا كان هيفتخر بيه بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
دمعة نزلت من عيني، بس صوتي فضل قوي ده شيئ كويس يا محمود.. كويس جداً. ممكن في يوم.. نشرب قهوة سوا؟ مش دلوقتي.. لما تكوني مستعدة. قلت له ممكن يا محمود.. لما نكون إحنا الاتنين مستعدين.
قفلت السكة وقعدت في جنينتي.. مكنتش سامحت محمود بنسبة 100، ويمكن مأسامحوش أبداً على صوت التلفزيون العالي.. بس أنا لقيت نفسي. فتحت كراستي وكتبت اتعلمت أسامح نفسي إني استنيت كتير عشان أدافع عنها.. اتعلمت إن حب النفس مش أنانية، ده نجاة.. أنا هنية، عندي 71 سنة،
وبقيت حرة لأول مرة في عمري.
تمت

 

تم نسخ الرابط