لما الضنا يبيع بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

لمحة نيوز

بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم 
لما الضنا يبيع بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
مرات ابني نزلت بالمغرفة فوق راسي وهي بتشتمني وبتقولي يا عاجزة وما منكيش فايدة، وابني في الأوضة اللي جنبا علا صوت التلفزيون عشان يعمل نفسه مش سامع حاجة.. وبعد خمس دقايق، لما المطبخ اتقلب وصوت المواعين وهي بتتكسر ملى البيت ووقعت أنا على الأرض، وقف ابني ضنايا اللي ربيته وسهرت عليه على باب المطبخ.. بص لي بنظرة كلها اتهام كأني أنا اللي غلطانة، وبكل برود سألني أنتي عملتي إيه يا ماما؟
كنت واقفة في المطبخ بعمل شوية شوربة خضار من اللي قلبك يحبهم، فجأة لقيت نهى مرات ابني دخلت عليا زي القضاء المستعجل.. سحبت المغرفة من الحلة ونزلت بيها فوق راسي بكل غل وقالت بصريخ إنتي إيه يا ولية إنتي؟ مابتفهميش في الطبيخ واصل؟ ده أكل بني آدمين ده؟
في اللحظة دي، محمود ابني كان قاعد في الصالة.. وبدل ما ييجي يشوف أمه جرى لها إيه، مسك الريموت وعلا صوت التلفزيون لآخره.. كأنه مش سامع، أو كأنه مش عايز يسمع.
بعد خمس دقايق بالظبط، البيت كله اتهز بصوت تكسير يخلع القلب.. حلل وأطباق وجسمي أنا وهو بيترمي على الأرض. محمود جرى على المطبخ ووقف متسمر على

الباب، وبص لي بنظرة كلها اتهام وهمس ببرود إيه اللي عملتيه في نفسك ده يا أمي؟بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
بصيت له وأنا واقعة وسط كسرة نفسي قبل تكسير المواعين.. بس اللي هما ميعرفهوش، إن لسه في إيدي كارت أخير هيقلب الترابيزة على الكل.
أنا هنية.. عندي 71 سنة، إيدي شقيت وتعبت من العجين والخبز طول عمرها عشان خاطر غيري.. وقلبي كان لسه خام وفاكر إن الأهل سند.. يا خيبتي ويا عمى قلبي!
من 6 شهور، دفنت الحاج حسن جوزي.. 50 سنة جواز اتبخروا في عصر يوم من أيام أبريل، وهو بيسقي الزرع في البلكونة.. لقيته واقع على ركبه والخرطوم لسه بينقط مية على جزمته. من يومها والدنيا اسودت في عيني، والبيت الكبير بقى ينده صاحبه.. محمود ابني الوحيد صمم إني أعزل وأروح أعيش معاه هو ومراته مينفعش تقعدي لوحدك يا ست الكل.. في سنك ده الموضوع خطر. كان صوته في التليفون كله حنية.. كنت عايزة أصدقه، كنت محتاجة أصدقه. لميت عمري كله في 4 شنط وسبت البيت اللي ربيت فيه ابني، والبيت اللي رقصت فيه مع حسن.. وكنت فاكرة إني رايحة للراحة.
بيت محمود كان مودرن يبرق، وعفش كأنه طالع من مجلة.. ونهى استقبلتني بابتسامة صفراء مابتعديش من عينيها نورتي يا طنط هنية. لا قالت يا حماتي ولا
يا ماما.. قالت هنية كأني واحدة غريبة من الشارع.
من أول يوم عرفت إني غلطت، بس مكنش ينفع أرجع.. قعدت في أوضة الضيوف اللي في آخر الطرقة، علقت صور حسن، ورصيت هدومي، وحاولت أكون خيال مآتة في البيت.. ماليش صوت ولا حس عشان مأزيش حد بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
يومي كان بيبدأ الساعة 6 الصبح.. أعمل القهوة والفطار.. ومحمود ينزل مستعجل وباصص في موبايله تسلم إيدك يا ماما... بيقولها وهو مش باصص لي أصلاً. وبعده تظهر نهى بروب الحرير الأخضر، تقعد تفتش في الفطار وتطلع فيه القطط الفطسانة القهوة خفيفة.. البيض ملحه زيادة.. عمرها ما قالت شكراً.. كنت بسكت وأبتسم وأحاول أرضيهم.. كنت عايزة أحس إن ليا لازمة في حياة ابني.
الأيام بقت أسابيع.. وأنا بقيت خدامة بشنطة.. أمسح وأكنس وألم الفتافيت اللي وراهم. ونهى طول النهار في شغلها ومكالماتها، وأول ما تضايق تفرغ غلها فيا إيه اللي جاب الكوباية دي هنا؟ مابتفهميش؟ ومحمود يكون واقف.. بس باصص الناحية التانية، كأني مش أمه اللي شالته 9 شهور.
لحد ما جه اليوم المشئوم.. كنت بعمل شوربة الخضار اللي محمود كان بيحبها وهو صغير.. ونهى دخلت المطبخ زي الإعصار بتعملي إيه؟ بعمل شوربة لمحمود يا بنتي.. دي أكلته المفضلة.
بصت للحلة بقرف وقالت ده أكل كلاب.. إنتي عايزة تسممينا؟ وقبل ما أنطق، سحبت المغرفة وضربتني بيها على راسي بكل قوتها.
الدنيا لفت بيا.. السائل السخن نزل على شعري، ووجع راسي كان بيفور.. إنتي ولية عاجزة!.. صوتها كان بيرن في البيت كله. اتسندت على البوتاجاز وأنا دايخة.. وسمعت صوت التلفزيون بيعلى في الصالة.. محمود سمع كل حاجة، واختار إنه يعلي الصوت عشان يغطي على وجعي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
في اللحظة دي، في حاجة جوايا انطفت.. الوجع الجسدي مكنش حاجة جنب خيانة السكوت. ابني اللي ربيته بدموع عيني، اختار يسمع برنامج تافه على إنه يسمع صرخة أمه.
إنتي مقرفة.. قالتها نهى وهي مربعة إيديها مش عارفة محمود كان دماغه فين لما جابك هنا.. إنتي حمل تقيل ومالكيش لازمة وواكلة مكان على الفاضي.
كل كلمة كانت قلم على وشي.. نهى سابت المطبخ وخرجت، وأنا وقفت لوحدي وسط البخار والسكوت. خمس دقايق.. كانت كفيلة إني آخد قراري. بصيت للحلل والأطباق اللي بقالي شهور بغسلها عشان أرضيهم.. وفجأة، انفجرت.
مكنتش مرتبة لحاجة.. ده كان غريزة بقاء. مسكت حلة الشوربة الكبيرة ودلقتها في الحوض بصوت مرعب.. وبعدها بقيت أمسك الأطباق والكوبايات وأرميها في الأرض وفي الوش.. تكسير.
. تكسير..
 

تم نسخ الرابط