جوزي قاعد عند امه

لمحة نيوز

جوزي كان بقاله فترة قاعد عند أمه عشان يراعيها في تعبها. وبما إني كنت عايزة أعمله مفاجأة، رحت له أنا وبنتي اللي عندها 7 سنين من غير ما أقوله. لما وصلنا البيت، لقيت الباب موارب سنة صغيرة. بنتي بصت جوه، وراحت شداني من كمي بالراحة وهمست: "ماما.. بصي كده، بس من غير صوت."
كنت بقالي تلات أسابيع تقريباً مشوفتش جوزي. كل يوم يكلمني في التليفون بنفس النبرة التعبانة ويقولي نفس الحجج:
— "يا حبيبتي حالة أمي ساءت أوي بعد ما وقعت.. لازم أفضل جنبها الفترة دي أراعيها."
كان بيقول إنها مابقتش قادرة تمشي على رجليها.
وإنها مابقتش قادرة تطبخ لنفسها لقمة.
وإنها ساعات بتنسى ميعاد الدوا بتاعها.
وأنا طبعاً صدقته.. "ياسين" طول عمره راجل مسؤول، من النوع اللي بيساعد الجيران في أي حاجة، وكان كل يوم سبت الصبح يسرح شعر بنتنا "ليلي" وهو فخور بنفسه، رغم إن التسريحة دايماً كانت بتطلع تفشل.
عشان كده، لما "ليلي" سألتني:
— "ماما، ممكن نعمل مفاجأة لبابا الويك إند ده؟"
الفكرة دخلت قلبي وحسيتها أحلى حاجة ممكن تتعمل.
جهزنا علبة

"مافن" بالتوت من المخبز اللي بيحبه، و"ليلي" خدت الرسمة اللي رسمتها لـ "تيتة عفاف"، وسقنا العربية 40 دقيقة في مطر خفيف لحد البيت اللي ياسين تربى فيه. كنت متخيلة وشه وهو بينور لما يشوفنا.
بس أول ما رجلينا خطت عتبة البيت.. حسيت إن فيه حاجة غلط.
الباب كان مفتوح سنة.. وياسين عنده وسواس قفل الأبواب، مستحيل يسيبه كده.
قبل ما أخبط، ليلي شدتني وهمست بصوت واطي ومخطوف:
— "ماما.. بصي كده.. بس من غير صوت."
كانت بتبص من الفتحة الصغيرة اللي بين الباب والإطار. وطيت جنبها وبصيت.. في الأول افتكرت إني فاهمة غلط، أو متهيألي.
أنوار الصالة كانت هادية، بس كل حاجة واضحة. أم ياسين مكنتش عيانة ولا نايمة في السرير.. كانت واقفة في نص الصالة، لابسة بيجامة ستان شيك، وماسكة كاس في إيدها.. وبتضحك!
مكنتش ضعيفة.
مكنتش عاجزة.
مكنتش عيانة أصلاً!
وحواليها تلات ستات معرفهمش، عمالين ينسقوا ورد ويرصوا مفارش سفرة فخمة. والتربيزة كان عليها كتالوجات، ومنيو أكل، وحاجة شبه "تقسيمة كراسي" المعازيم.
وبعدين شوفت ياسين..
مظهرش عليه
إنه تعبان ولا مرهق.
كان رامي الهم ورا ضهره.. حالق دقنه.. ولابس القميص اللي كنت جايباهوله في ذكرى جوازنا. كان واقف قريب جداً من ست شقراء لابسة بلوفر "كريمي" شيك.. وإيده كانت محطوطة على ضهرها .
وفجأة أمه قالت جملة خلت نفسي ينقطع:
— "أول ما الطلاق يخلص،" قالتها بمنتهى الفرحة، "نادين تقدر تنقل هنا لحد فرح الربيع.. كده أحسن بكتير. مريم عمرها ما كانت لايقة على عيلتنا."
مريم.. اللي هي أنا!
الست الشقراء ضحكت بدلع ومالت على جوزي كأنها خلاص صاحبة البيت. وياسين.. مبعدش عنها. بالعكس كأن ده الطبيعي في العالم.
جنبي، ليلي عصرت إيدي وهمست وهي مش فاهمة حاجة:
— "ماما.. هو بابا ليه الست دي؟"
كان المفروض أكسر الباب وأدخل أهد الدنيا. كان المفروض أصرخ. بس فيه برود مرعب سكن فيا فجأة.. طلعت موبايلي بهدوء.. وبدأت أسجل فيديو.
كل ضحكة.
كل كلمة.
كل كذبة.
وبعدين رجعت لورا بعيد عن الباب وأنا ماسكة إيد بنتي، وقلبي بيدق في صدري زي الطبلة. لأني في اللحظة دي فهمت حاجتين:
جوزي عمره ما كان بيراعي أمه العيانة.. هو كان بيبني
حياة تانية من ورا ضهري. وإحنا وصلنا في الوقت المناسب بالظبط عشان نهد المعبد ده فوق دماغهم.
اللي حصل بعد كده، خلى ياسين وعيلته كلها يبوسوا الأيادي عشان أسامحهم.. بس فات الأوان.
وقفت ورا الباب، وصوت ضحكاتهم جوه كان بيقطع في قلبي زي السكاكين. "نادين".. الاسم رن في ودني كأنه صفارة إنذار. نادين دي كانت زميلته القديمة في الشغل، اللي كان دايماً بيقولي عليها "زي أختي يا مريم، دي غلبانة ومقطوعة من شجرة". أتاري الشجرة طرحت في صالة حماتي وأنا المغفلة اللي كنت ببعت أكل ودوا وشايلة البيت لوحدي عشان "ياسين يراعي أمه العيانة".

ليلي بنتي بدأت شفايفها تترعش، دموعها نزلت في صمت وهي شايفة باباها، بطلها الخارق، بيضحك لواحدة تانية غير ماما. سحبتها من إيدها ونزلنا السلم براحة، من غير ولا صوت. ركبت العربية، قفلت الأبواب، وفضلت باصة للدريكسيون وأنا حاسة ببرود غريب.. برود الموت.

"ماما.. إحنا مش هندخل لبابا؟" ليلي سألت بصوت مخنوق.

بصيت لها وقلت بصوت واثق: "لا يا حبيبتي.. بابا مشغول في حفلة كبيرة، وإحنا هنعمل

حفلة تانية خالص، بس في بيتنا."

 

تم نسخ الرابط