عشرون عاما من الصمت
أحدًا يقترب من قلبك حقًا؟
مرّت السنوات وكبرت ابنتي عنيدةً، لامعة الذكاء لا تتردّد في خوض جدالٍ حتى من أجل شريحة خبزٍ احترقت على عجل كانت تُجادل وكأن الحقيقة كنزٌ لا يُنال إلا بالمواجهة.
ثم في يومٍ عاديٍّ لا يحمل أي نذير التقيتُ بكارا عند آلة البيع في المستشفى كانت تراقبني وأنا أُصارع كيس رقائق بطاطس عالقًا فابتسمت بخفة وقالت بنبرةٍ مازحة
أتريد أن أُريك كيف يتعامل المحترفون مع الأمر؟
خرجنا معًا أنا وكارا ثلاث مرات قبل أن أجد الشجاعة لأخبر إيزابيل أخيرًا.
جلسنا نتناول طعامًا جاهزًا وأنا أتهيّأ لسماع حكمها الذي لم أكن أعلم إن كان سيطمئنني أم يُربكني فوجدتها تنظر إليّ بابتسامةٍ مشاكسة وقالت
هل أنت متوتر يا أبي؟
تنفستُ ببطء وأجبتها
ربما قليلًا فأنا جديدٌ في هذا الأمر.
مدّت يدها وضغطت على يدي برفق ثم قالت بنبرةٍ دافئة
هذا جيّد أنت تستحق السعادة يا أبي.
وبعد ستة أشهر أدركتُ أنني بدأت أقع في حب كارا لكن قبل أن أُقدِم على أي خطوةٍ أخرى كان لا بدّ أن تلتقي بإيزابيل.
لذا خططتُ لعشاءٍ في منزلنا عشاءٍ عائليٍّ حقيقي يحمل شيئًا من الجدية وكثيرًا من الترقّب.
بينما كانت إيزابيل ترتّب الصحون وتُشغّل غسالة الأطباق التفتت إليّ وقالت بصوتٍ يحمل قلقًا خافتًا
أبي هل تعتقد أنها ستحبني؟ أنا على وشك أن أبلغ العشرين وأعلم أن تقبّل
ابتسمتُ لها بثقةٍ حاولتُ أن أجعلها مُقنعة
عزيزتي أنا متأكدٌ من أنها ستفعل.
كنتُ أريد حقًا أن تلتقي بها أن يلتقي عالميّ معًا دون تصادم.
في الطريق إلى المنزل كانت كارا صامتةً على غير عادتها ألقيتُ عليها نظرةً جانبية أحاول أن أقرأ ما يختبئ خلف ملامحها ثم قلت مازحًا
هل أنتِ بخير؟ تبدين وكأنكِ ذاهبة إلى غرفة العمليات لا إلى عشاء.
أطلقت ضحكةً خفيفة لكنها كانت ترتجف في أطرافها
أظنني متوترة فقط مقابلة ابنتك أمرٌ كبير يا مايكل.
طمأنتها بهدوء
إنها متحمسة للغاية لقد كانت تنتظر لقاءك منذ أسابيع.
انعطفنا إلى الشارع الذي أسكن فيه وفجأة شدّت كارا قبضتها على حقيبتها كأنها تتشبّث بشيءٍ يحميها من ذكرى بعيدة وحين توقفتُ أمام المنزل ودخلتُ إلى الممر لم تتحرك ظلّت واقفةً في مكانها وعيناها معلّقتان بالشرفة بالدرجات المطلية باللون الأزرق بجرس الرياح المعلّق عند الحافة وحتى بذلك الخدش القديم على الباب رأيتُ اللون ينسحب من وجهها شيئًا فشيئًا كأن الحياة نفسها تتراجع داخلها ومن ثم همست بصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع
مايكل هل تعيش هنا؟
نظرتُ إليها متعجبًا وقلت
نعم أعيش هنا منذ ما قبل إيزابيل آسف، هذه أول مرة تأتين فيها تعرفين كيف يجعلنا جدولي نتناول الطعام خارج المنزل معظم الوقت.
تسارعت أنَفَاسها وأصبحت متقطعة كأنها
أنا لا أريد الدخول أنا آسفة هل يمكننا تأجيل الموعد؟ أنا فقط لا أشعر أنني بخير.
بدت شاحبةً على نحوٍ مُقلق فمددتُ يدي لأمسك بيدها لكنها ارتجفت تحت لمستي كأنها تلامس ذكرى لا تُحتمل فقلتُ بهدوءٍ أحاول به تهدئتها
تمهّلي إنه مجرد عشاء ربما تكون إيزابيل الآن تُعدّ المائدة.
امتلأت عيناها بالدموع وانكسرت نبرتها
لا أستطيع لا أستطيع فعل هذا الآن.
تجمّدتُ في مكاني وسألتها بقلقٍ متصاعد
فعل ماذا؟ كارا أنتِ تُخيفينني.
هزّت رأسها ومسحت دموعها بأصابع ترتجف ثم استدارت ببطء لتحدّق في المنزل مرةً أخرى وكأنها تنظر إلى ماضٍ لم يُدفن كما ينبغي.
لكن قبل أن أتمكّن من طرح سؤالٍ آخر انفتح الباب الأمامي.
وقفت إيزابيل في الضوء شعرها المجعّد مرفوع في كعكةٍ فوضوية وابتسامتها تشرق كعادتها، دافئةً وبريئة.
قالت بحماس
أبي! هل هذه كارا؟
تسمّرت كارا في مكانها تحدّق فيها كأنها ترى شبحًا من زمنٍ بعيد تحرّك فمها لكن الكلمات خانتها وبقي الصمت معلقًا بينهما.
وفجأة خرجت منها شهقةُ بكاءٍ حادّة، غريبة، ممزّقة، جعلتني أنا وإيزابيل نتجمّد في أماكننا.
وضعت يدها على فمها وكأنها تحاول كتم الحقيقة التي تفجّرت وهمست بصوتٍ مكسور
أنتِ حقًا لم أتخيّل يومًا أنني سأراكِ مرةً أخرى.
ثمّة لحظاتٌ يتوقّف فيها الزمن أو يبدو
وقفنا هناك أنا على الدرجات وكارا ترتجف في الظلام وإيزابيل ممسكة بالباب ثلاثتنا عالقين داخل مثلثٍ من الصدمة والذهول والارتباك حتى سألت إيزابيل بنبرةٍ قلقة تتلمّس بها ما يجري
هل أنتِ بخير؟ هل أعرفكِ؟
حاولت كارا أن تستجمع شتاتها أن تُرمّم صوتها المتشقق وقالت
أنتِ لا تتذكرينني لا يمكن أن تتذكري لكنني لم أنسكِ أبدًا ليس طوال عشرين عامًا.
نقلتُ بصري بينهما، من إيزابيل إلى كارا كانت القطع تتصادم في رأسي لكنها لم تستقر بعد في صورةٍ مفهومة.
أخذت كارا نفسًا متقطعًا ثم قالت وهي تتراجع خطوة
مايكل لا أستطيع الدخول أرجوك أحتاج فقط إلى دقيقة.
عندها حسمتُ أمري وقلت بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة
بل سندخل جميعًا. اجلسوا، واشربوا بعض الماء أيًّا يكن هذا الأمر سنتحدّث عنه.
مدّت إيزابيل يدها نحو كارا ولمست مرفقها برفق كأنها تقودها عبر المجهول فتبعَتها كارا ببطء وعيناها تتجوّلان في أرجاء المدخل تتوقفان عند الصور المعلّقة على الجدران، عند الدرابزين البالي، عند رفّ المعاطف بجوار الباب كأنها لا ترى المكان فحسب بل تتعرّف عليه.
جلسنا حول طاولة المطبخ يلفّنا صمتٌ ثقيل كأن الكلمات نفسها تخشى أن تُولد وكنتُ أول من كسره بصوتٍ حاولتُ أن أجعله ثابتًا
كارا أنتِ تُخيفيننا من فضلكِ تحدّثي ماذا يحدث؟
قبضت يديها في حجرها وأطرقت رأسها للحظة
أنا أعرف هذا المنزل يا مايكل