عشرون عاما من الصمت

لمحة نيوز

تبنيت طفلة وُضعت على عتبة بابي قبل 20 عامًا وفي اليوم الذي عرّفت فيه خطيبتي عليها حدث أغرب سناريو فاق كل توقعاتي.
بعد عشرين عامًا من تبنّي طفلةٍ وُجدت على عتبة بابي ظننتُ أنني عثرتُ أخيرًا على الحب لكن لحظة تعريف حبيبتي بابنتي قلبت كل شيء رأسًا على عقب نظرةٌ واحدة، وكلمةٌ واحدة، كانتا كفيلتين بتمزيق ستارٍ طويلٍ من الأسرار المدفونة في تلك الليلة اصطدم ماضيّ بمستقبلي بشكل لم أكن مستعدًا له ثمّة لحظاتٌ تشطر حياتك إلى نصفين ما قبلها وما بعدها وكانت الليلة التي وجدتُ فيها رضيعًا على عتبة بابي واحدةً من تلك اللحظات.
كنتُ آنذاك طبيبَ توليدٍ شابًا لم تمضِ على ممارستي سوى سنواتٍ قليلة ورغم أنني شهدتُ مئات الولادات لم أشعر يومًا بالعجز كما شعرتُ في تلك الليلة.
كان المطر ينهمر فوق السقف كقصفٍ لا يهدأ والريح تعوي كوحشٍ جائعٍ يحاول اقتلاع الجدران من جذورها.
نعم إذا كانت تلك اللحظة مما يقسم العمر شطرين.
كنتُ قد انتهيتُ لتوّي من مراجعة سجلات اليوم التالي ومددتُ يدي لأطفئ المصباح حين دوّى طرقٌ عنيف، محموم، يائس، على باب المنزل.
في البداية ظننتُه من صنع العاصفة أو غصنُ شجرةٍ يرتطم بالشرفة لكن وسط ذلك الضجيج تسلّل إلى سمعي صوتٌ آخر أوهن، أرقّ، لكنه أكثر إلحاحًا بكاء طفل.
ارتجفت يداي وأنا أتقدّم نحو البااب
هل

من أحد؟ ناديتُ وأنا أعلم في أعماقي أن لا إجابة ستأتيني.
فتحتُ الباب ببطء ونظرت كانت هناك سلّة وفي داخلها كانت هي.
طفلةٌ صغيرة راحتاها الصغيرتان منقبضتان كأنها تتشبّث بالحياة وعيناها مغمضتان بإحكام تحتمي من قسوة العالم لم تكن البطانية الزرقاء التي تلفّها تكاد تقيها برد تلك الليلة القاسية مددتُ يدي المرتجفة والتقطتُ الورقة المثبّتة على صدرها تلك التي كُتب عليها بخطٍ مرتجف
هذه إيزابيل اعتنِ بها.
رفعتُ رأسي وصرختُ في وجه العاصفة
هل من أحد هناك؟! أجبني!
لكن لم يكن هناك سوى عواء الريح
أسرعتُ بها إلى الداخل ويديّ ترتجفان من البلل والرهبة ثم التقطتُ الهاتف واتصلتُ برقم الطوارئ بينما أنفاسي تتعثر كأنها تركض خلف ما حدث.
لم تمضِ دقائق حتى وصل الضابط يقطر معطفه ماءً كأن العاصفة جاءت معه ومن ثم انحنى بجوار السلة يتفحّصها بعينٍ خبيرة ثم رفع نظره نحوي متسائلًا
وجدتها للتو؟ هكذا؟
أجبته بصوتٍ خافت ما زال يحمل صدى الدهشة
نعم لقد تُركت هنا فحسب.
تأمّل المكان من حوله ثم عاد يسأل
هل لديك أي فكرة عمّن قد يفعل هذا؟
هززتُ رأسي ببطء
لا لا فكرة لدي.
وبعد أن أنهى بحثه السريع عن أي دليلٍ قد يقود إلى شيء وقف قبالتي ونظر إليّ مطولاً قبل أن يسأل السؤال الذي غيّر كل شيء
وماذا سنفعل بالطفلة؟
تسلّلت نظرتي إلى إيزابيل كانت
يدها الصغيرة تلتف حول إصبعي بإحكامٍ غريب كأنها تخشى أن أفلتها أو كأنها اختارتني دون سواي في تلك اللحظة شعرتُ بشيءٍ يتكوّن في أعماقي شيءٍ لم أعرفه من قبل فهمستُ وكأنني أُبرم عهدًا لا رجعة فيه
سآخذها سأكون والدها.
وهكذا بدأت رحلةٌ لم أخطط لها يومًا لكنها كُتبت لي منذ تلك الليلة.
كانت السنوات الأولى ضبابًا ممتدًا من السهر والزجاجات والحفاضات وإرهاقٍ ينهش الجسد بلا رحمة كنتُ حينها في السادسة والعشرين أعزب بالكاد أُمسك بخيوط حياتي فإذا بي أُمسك بحياةٍ أخرى كاملة.
كان أصدقائي يمضون قدمًا.. يستقرّون مع شركاء حياتهم يخططون لرحلاتٍ على الشاطئ، وسهراتٍ دافئة، وضحكاتٍ بلا قلق.
أما أنا فكنتُ أتعلم كيف أهدّئ بكاءها، كيف أقرأ ملامحها، كيف أصبح عالمها كله.
ومع ذلك
لم أندم.
ولا ليلةً واحدة.
كانت إيزابيل قوّةً لا يُستهان بها لقد تحوّلت من تلك الحزمة الصغيرة الباكية إلى طفلةٍ صلبة الإرادة إذا اعترضها الإحباط قذفت مكعّباتها في نوبة غضب وإذا استعدتُ قراءة القصة ذاتها للمرة الثانية صفّقت بيديها بفرحٍ غامر.
كانت حضورًا لا يُمكن تجاهله نما شعرها مجعّدًا ينساب حول وجهها وامتلأت روحها بفضولٍ لا ينضب أمّا ضحكتها فكانت قادرةً على أن تُلطّف أقسى أيّام المستشفى وتمنحها شيئًا من الرحمة.
ومع ذلك كانت هناك لحظاتٌ أشعر فيها
بثقل وحدتي خاصةً حين أجلس وحيدًا بين الآباء والأمهات في اجتماعات المدرسة أو عندما تعود إيزابيل ذات يومٍ بورقةٍ رسمت فيها عائلتها خاليةً من صورة أم.
أتذكر حين رفعت عينيها إليّ وسألت ببراءةٍ تمزق القلب
أبي أين أمي؟
ابتسمتُ لها أُخفي اضطرابي خلف دفءٍ مصطنع
إنها حيثما تتمنّينها أن تكون يا صغيرتي ولكنك تملكينني أنا دائمًا.
ومضت السنوات حتى تكدّست عقودًا فوق عقود.
نشأت إيزابيل في ذلك المنزل القديم بأرضياته الخشبية المتشققة وطلاء شرفته المتآكل هناك، تحت شجرة البلوط العتيقة تعلمت ايزابيلا ركوب دراجتها وهناك أيضًا تعلّمتُ أنابمساعدة الممرّضاتكيف أُجدل شعرها محاولًا أن أكون لها عالمًا كاملًا.
انكمشت حياتي في ظاهرها لكنها ازدهرت في جوهرها بين نوبات العمل المرهقة، وفطائر نهاية الأسبوع، وصدى خطوات إيزابيل في أرجاء المنزل كنت أعيش حياةً ممتلئة رغم بساطتها.
وحين حاولتُ أن أطرق باب الحب من جديد لم يُكتب لأي محاولة أن تكتمل.
كانت إيزابيل تبتسم بمكرٍ وهي تقول
أبي، ألا تنوي أن تسمح لأحدٍ بالدخول إلى حياتك يومًا ما؟
فأجيبها ضاحكًا
ولِمَ نُفسد هذا الكمال يا إيزابيل؟
فتدير عينيها في مرح ثم تقول بنبرةٍ تجمع بين المزاح والجد
لم أعد طفلةً بعد الآن يا أبي وأظنّ أنك بحاجةٍ إلى من ترافقك إلى معرض العلوم.
ثم تعود بعد
لحظة صمت لتسأل بصوتٍ أكثر عمقًا
أبي ألن تدع
 

تم نسخ الرابط