جوزي بيسرق لبن بنتي في نص الليل
دي وأرضّع دي… وأمي قاعدة تبصلي بحزن وسؤال كبير في عينيها، بس ساكتة مستنية مني أتكلم. ولما دخلنا الأوضة أنا وتامر، وقفل الباب، سألته بهدوء مخيف:
"— كل اللي قولته ده… ده كل حاجة؟ ولا فيه حاجات تانية لسه مخبيها؟"
بص في الأرض وقال:
"— دي كل الحقيقة… والله."
قلتله وأنا عيني في عينه:
"— طيب اسمع بقى… أنا مش ضعيفة… ومش غبية… أنا وافقت أدي فرصة عشان طفل مالوش ذنب… مش عشانك. لو في أي كدبة تانية… أنا همشي من غير ما أبص ورايا."
هز راسه بسرعة، وقرب كأنه عايز يمسك إيدي، بس سحبتها بهدوء وقلت:
"— لسه بدري."
عدت الأيام… وبقى عندي طفلين بدل واحد… وفعلاً، جسمي بدأ يتعب… اللبن مبقاش مكفي الاتنين بسهولة، والسهر بقى مضاعف، بس الغريب إن قلبي… قلبي بدأ يتغير.
حسن بقى يتعلق بيا بشكل غريب… أول ما يشوفني يسكت، وأول ما أحضنه ينام… كأنه حاسس إني أمه، أو يمكن بيتعلق بأي حضن دافي بعد ما اتحرم. وفي مرة وأنا برضعه، لقيت دموعي بتنزل من غير ما أحس… مش زعل… حاجة شبه الوجع اللي بيتحول
بس مش كل حاجة كانت بتمشي بسلاسة.
حماتي "درية" بقت تيجي كل يوم تقريبًا… في الأول كنت متقبلاها عشان خاطر حسن، بس مع الوقت بدأت أحس إنها بترجع لطبعها القديم… تدخل في كل حاجة، تعلق على تربيتي، تقارن بين حسن وليلى، وتقول كلام زي:
"— حسن غلبان… اتحرم من أمه… لازم نهتم بيه أكتر."
الكلام ده كان بيجرحني… لأن ليلى كمان طفلة، ومش ذنبها إن عندها أم موجودة.
وفي يوم، وأنا واقفة في المطبخ، سمعتها بتقول لتامر بصوت واطي:
"— لازم تسجل حسن باسمك بسرعة… قبل ما أي حد يظهر ويطالب بيه."
اتجمدت مكاني… حسيت إن فيه حاجة تاني مستخبية.
استنيت لما مشيت، وروحت لتامر وقلتله:
"— مين اللي ممكن يطالب بحسن؟"
ارتبك… ودي كانت نفس النظرة اللي شفتها يوم ما كدب عليا أول مرة.
قلبي وقع… وقلت بصوت حاد:
"— إتكلم!"
سكت لحظة… وبعدين قال:
"— سمر… كان ليها أخ… مسافر بره… ولما عرف بوفاتها، حاول يوصل لي… بس أنا تجاهلت."
"— تجاهلت؟! يعني ممكن ييجي ياخده؟!"
"— معرفش… بس احتمال…"
حسيت إن
عدت الأيام وأنا عايشة على أعصابي… كل خبطه على الباب تخضني… كل رقم غريب يخوفني… لحد ما في يوم… الباب خبط فعلًا.
تامر فتح… وفضل واقف ساكت… وأنا من جوه سامعة صوت راجل بيقول:
"— أنا عايز ابني أختي."
جريت على الباب… ولقيت راجل واقف… ملامحه قاسية، وعينه فيها حزن وغضب في نفس الوقت.
بصلي وقال:
"— إنتِ نيرمين؟"
هزيت راسي.
قال:
"— أنا خال حسن… وجيت آخده."
حضنت حسن جامد من غير ما أحس… كأن حد بيحاول يشده مني.
تامر حاول يتكلم:
"— اسمع بس…"
الراجل قاطعه بعصبية:
"— مفيش كلام! إنت سبت أختي تموت لوحدها! ودلوقتي فاكر نفسك أب؟!"
الكلام كان زي السكاكين… بس أنا مقدرتش أسكت… قربت خطوة وقلت بثبات:
"— وحسن ذنبه إيه؟ يتاخد من حضن اتعود عليه؟ من بيت بدأ يحس فيه بالأمان؟"
بصلي باستغراب… كأنه مش متوقع ردي.
كملت:
"— لو إنت خايف عليه… إحنا كمان خايفين… لو إنت عايزه يعيش كويس… إحنا بالفعل بنحاول… بس لو خدته كده فجأة…
سكت… وبص لحسن… اللي كان مستخبي في حضني وبيبص له بخوف.
ثواني عدت… وبعدين قال بهدوء أخف:
"— وأنا أضمن إيه إنه يعيش كويس هنا؟ مع واحد خان أختي؟"
بصيت لتامر… وبعدين رجعت له وقلت:
"— تضمني أنا."
الكلمة خرجت مني من غير تفكير… بس كانت صادقة.
"— أنا مش هسيب طفل يتكسر قدامي… لا ده ولا دي."
فضل باصص لي شوية… وبعدين قال:
"— أنا مش هاخده دلوقتي… بس هرجع… ولو حسيت إنه مش في أمان… هخده غصب عن الكل."
هزيت راسي:
"— ده حقك."
ومشي.
قفلت الباب… ووقتها بس حسيت بقوتي كلها وقعت… قعدت على الأرض وأنا حضنة حسن وليلى جنبي… ودموعي نازلة.
تامر قرب وقال:
"— أنا آسف…"
بصيت له وقلت بتعب:
"— الأسف مش كفاية… بس يمكن… يمكن نبدأ من جديد… بس المرة دي بجد."
ومن اليوم ده… حياتنا اتغيرت تاني.
بقينا عيلة… مش كاملة… مش مثالية… فيها وجع، وفيها أخطاء، وفيها خوف من بكرة… بس فيها كمان حاجة أقوى…
فيها قرار.
قرار إني أكون أم… مش بس للي جبتها… لكن كمان للي الحياة رمتُه
وقرار إن الثقة… لو اتكسرت مرة… ممكن تتصلح… بس عمرها ما ترجع زي الأول… وده تمن لازم يتدفع… كل يوم.