الـعزومه و كـشف الـمستور بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

في العادي، أيامنا كانت مقضية نواشف وبانيه من السوبر ماركت، بس النهاردة المطبخ كانت ريحته تقلية ولحمة محمرة.. ريحة فكرتني بذكريات طفولتي قبل ما كل حاجة تتهد. بقلم منال علي 
يا ليلى، خلصتي السفرة؟.. أمي ندهت من المطبخ.
في نبرة صوتها التقطت التوتر المألوف الشد العصبي اللي بيظهر كل ما الكلام يحدف ناحية أبويا.
أيوه يا ماما، كله تمام!.. جاوبتها وأنا برص طقم الصيني اللي بكنار دهبي، الطقم اللي متخزن ورا إزاز النيش ومبيطلعش غير في المناسبات، والتراب مغطيه طول السنة.
فضلت ساكتة. بقلم منال علي 
بعد عشرين سنة، أمي لسه متعلمتش تتكلم عن أبويا من غير النغزة دي في صوتها. زمان، هي اللي صممت على الطلاق، كانت مقتنعة إنه راجل فاشل ومش هيعمل حاجة في حياته. كانت دايمًا تقول لصاحباتها في التليفون ده راجل حالم وعايش في الأوهام.
أنتي مش ناوية تغيري لبسك ده؟.. ريهام سألتني وهي بتبصلي بحدة. أعني.. بابا جاي من سفر سنين.
بصيت لنفسي في المراية جينز، وبلوفر وبر من كتر الغسيل واللبس، وكوتشي عادي. الشكل التقليدي لواحدة عندها 30 سنة مديرة آي تي بتدفع نص مرتبها إيجار شقة أوضة وصالة في مدينة السلام.
قلت لها وفيها إيه؟ هو أنا رايحة انترفيو؟ حصري على

صفحه روايات واقتباسات أمي هزت راسها بضيق يا ليلى، بصراحة.. كان فيها إيه لو اهتميتي بنفسك شوية، ولو لمرة واحدة؟
ابتسمت وسكت. كان دايماً الوضع كده من صغري.
جرس الباب رن الساعة سبعة بالظبط، زي ما وعد. كان دايما دقيق في مواعيده، والظاهر إن سنينه في أوروبا مغيرتش الطبع ده فيه.
أنا هفتح.. أمي قالت بسرعة وهي بتقلع المريلة وبتظبط شعرها.
تبادلت أنا وريهام نظرة صامتة. كان شعور غريب إننا هنشوف راجل ميعرفش عننا غير ذكريات باهتة من الطفولة.
دخل سامي.. صوته مكنش فيه لوم، ولا خيبة أمل زي صوت أمي. بالعكس، كان كله حنية. بقلم منال علي 
سامي، اتفضل اقعد.. أمي قالت وهي بتتحرك حواليه بتوتر. أنا عملت أصناف كتير..
بدأ العشا بأسئلة حذرة. حكى عن حياته في ألمانيا.. وإنه بعد ما سافر دخل مجال المقاولات والبناء وحقق نجاح كبير. أمي كانت بتسمع وهي مش قادرة تخبي ذهولها؛ الفاشل بتاع زمان طلع أنجح مما كانت تتخيل.
وأنتم أحوالكم إيه؟.. سأل باهتمام حقيقي.
انطلقت ريهام تحكي عن شغلها في الإعلانات وسفرياتها ومشاريعها. أما أمي فجابت سيرة شغلها في حضانة، بس قلبت الكلام بسرعة لإنجازات ريهام.
وأنتي يا ليلى؟ دنيتك ماشية إزاي؟.. بص لي أبويا مباشرة في عيني.
قلت الحمد
لله.. شغالة آي تي، ومأجرة شقة في مدينة السلام.
وشه بان عليه استغراب بسيط، بس هز راسه وابتسم
تمام. الاستقلال صفة مهمة جداً.
الكلام كان ماشي ببطء، وكأننا بنجس نبض بعض. وأمي كل شوية ترمي كلمة عن
تعبها وهي بتربي بنتين لوحدها. وفجأة سأل أبويا وهو بيصب الشاي
فاكرة يا ليلى لما كنتي عايزة تطلعي مهندسة معمارية وأنتي صغيرة؟
اټصدمت إنه فاكر. لما كان عندي 10 سنين كنت مهووسة برسم الكباري والبيوت.
قلت فاكرة.. بس دخلت آي تي.. عملي أكتر.
قال بهدوء العملي كويس، بس مفيش أغلى من الحلم، حتى لو معجبش الناس.
ريهام قاطعت الكلام ليلى كانت بتحلم فعلاً، بس ماما فوقتها بسرعة! لازم الواحد يكون واقعي.
أمي أيدتها طبعاً.. لازم رجليكي تبقى على الأرض.
أبويا سكت، بس ملامحه اتشدت. سألته عشان أغير الموضوع احكيلنا عن شغلك.
عينه لمعت بنبني كومباوندات صديقة للبيئة.. بدأنا ببيت صغير، ودلوقتي معانا 3 مشاريع ضخمة.
ريهام علقت بس أكيد الأسعار دي للطبقة اللي فوق قوي، مش أي حد يقدر عليها.
هز راسه حالياً آه، بس المستقبل ليها. الناس زهقت من زحمة الخرسانة وعايزين طبيعة.
أمي كانت بتسمع بشك، وكأنها لسه شايفة كلامه أحلام يقظة. وبعدين سألت بحذر
أنت اتجوزت هناك؟
أجاب لا. بعد الطلاق
اتفرغت للشغل.. وللبنات اللي كان لازم أدعمهم مادياً.. وبص لي أنا وريهام. مكنش فيه وقت لحياة شخصية.
قلت بدهشة كنت بتبعت لنا فلوس؟ أنا كنت فاكرة إننا عايشين بمرتب ماما بس!
أمي كادت تشرق في الشاي، وريهام اتجمدت وهي بتاكل.
تمتمت أمي طبعاً والدكم كان بيساعد.. بيبعت لمصاريف الدراسة واللبس..
صحح أبويا بهدوء كنت ببعت كل شهر. ومشور بس مصاريف. قبل 3 سنين مثلاً، حولت مبلغ كبير عشان كل واحدة منكم تشتري شقة تمليك.
حسيت الدنيا بتلف بيا. همست شقة؟
أيوه. شقة لكل واحدة. قلت البنات كبروا ولازم كل واحدة يكون ليها بيتها.
بصيت لريهام.. كانت شاحبة وبتنظر في طبقها.
قلت بهدوء ريهام.. أنتي مش قلتي إنك مأجرة في المهندسين؟
مردتش.
ريهام؟.. زعقت بصوت أعلى.
رفعت عينها أخيراً ليلى.. الموضوع معقد..
زقيت الكرسي وقفت إيه اللي معقد؟ المعقد إن بابا بعت فلوس شقتين، وأنتي وأمي قررتوا تخبوا عليا؟ وأنا طالع عيني وبدفع نص مرتبي إيجار عشان الست ريهام تسكن في شقة تمليك في المهندسين بفلوسي وفلوسها؟
أبويا ردد پصدمة شقة في المهندسين؟ أنا كنت باعت تمن شقتين مستورين!
أمي بدأت تبرر يا سامي افهم.. ريهام شغلها في وسط البلد ومحتاجة واجهة، وليلى حالها ماشي في مدينة السلام.
قال
ببرود يعني اشتريتوا لريهام شقة أكبر بفلوس البنتين؟

تم نسخ الرابط