فستان فرح جدتي

لمحة نيوز


فستان فرح جدتي ما كانش مجرد قماش ودانتيل، كان صندوق أسرار، وكان مفتاح الحقيقة اللي رجعلي اسمي وأهلي وكرامتي، وعرفت ساعتها إن الجيب الصغير اللي كان متخبي جوه البطانة كان أصدق من كل الحكايات اللي اتقالتلي طول عمري، وإن وردة ما كانتش بس جدتي، كانت حارسة الحقيقة لحد ما أبقى قوية كفاية أواجهها.
بعد ما المحكمة نطقت بالحكم واسم حسام الكيلاني اتقال بصوت عالي قدام الناس كلها، حسيت إني خدت نفسي لأول مرة من سنين، بس الغريب إن الراحة ماجتش كاملة، كان جوايا فراغ كبير، كأن معركة خلصت فجأة وسابت وراها صمت تقيل، رجعت بيت جدتي وردة في نفس الليلة، قعدت في أوضتها ولبست فستانها تاني، بصيت لنفسي في المراية وشفت ملامحي شبه أمي اللي في الصور القديمة، نفس العينين، نفس الابتسامة الخجولة، وسألت نفسي سؤال كان بيطاردني من ساعة ما عرفت الحقيقة طب لو جدتي ماخبتش عليا، لو كنت عرفت وأنا صغيرة، كنت هبقى شخص تاني؟ يمكن كنت هكبر مليانة غضب وكراهية، يمكن كنت هضيع نفسي في الانتقام، يمكن ماكنتش هعرف أحب ولا أصدق حد، ساعتها فهمت ليه وردة عملت كده، هي ماكدبتش عشان تخدعني، هي كدبت عشان تحميني من نار كانت هتحرقني

وأنا لسه طفلة، الأيام اللي بعد الحكم كانت صعبة، الصحافة بدأت تنبش في الماضي، اسمي اتذكر في كام مقال، اتوصف أبويا بالبطل اللي رفض الفساد، وأمي بالضحية البريئة، وناس كتير بدأت تبعتلي رسايل دعم، لكن في نفس الوقت، وصلني تهديد مبطن من حد مجهول بيقولي إني أوقف عند كده وأكتفي بالحكم، فهمت إن شبكة المصالح لسه ليها أطراف، بس المرة دي ماخفتش، لأن الفرق بين زمان ودلوقتي إني بقيت واقفة على رجلي، مش طفلة مستخبية ورا جدتها، خطيبي كان واقف جنبي بجد، خسر شغله فعلاً بعد ما أعلن دعمه ليا، بس قاللي وهو بيضحك إن الكرامة أهم من أي مرتب، وقررنا نبدأ من جديد، فتحنا مكتب محاسبة صغير باسمه واسم أبويا عادل، وكتبنا تحت الاسم جملة بسيطة النزاهة أولاً، كنت كل يوم وأنا داخلة المكتب بحس إن روح أبويا معانا، وإنه أخيراً اسمه بيتقال بفخر مش همس، بعد شهور من الشغل والتعب، المكتب بدأ يكبر، وناس كتير كانت بتيجي مخصوص عشان تتعامل معانا بعد ما سمعت قصتنا، بقى في نوع من الثقة حوالينا، وفي يوم من الأيام جالي ظرف من غير عنوان مرسل، فتحتُه وقلبي بيدق، لقيت فيه صورة قديمة جداً لأمي وأبويا في فرحهم، نفس الفستان
اللي أنا لبسته، ونفس النظرة اللي كانت بيني وبين جوزي يوم كتب الكتاب، وورا الصورة جملة بخط مش معروف الحقيقة عمرها ما بتموت، دموعي نزلت، بس مش دموع حزن، كانت دموع امتنان، حسيت إن ربنا بيطبطب على قلبي بطريقته، بعدها بفترة قررت أعمل حاجة كانت بتيجي في بالي كتير، حولت بيت جدتي وردة لمكان صغير لتعليم البنات اللي فقدوا أهلهم أو ظروفهم صعبة، سميته دار وردة، كنت عايزة أكمّل رسالتها في الحماية، مش بس ليا، لكن لكل بنت محتاجة حد يقف جنبها، أول يوم دخلت فيه البنات الصغيرين يجروا في الصالة ويضحكوا، حسيت إن البيت رجع فيه روح تاني، وإن جدتي أكيد مبتسمة في مكانها، وفي ليلة هادية بعد ما الكل مشي، طلعت فستان جدتي من الدولاب، ماعدتش بلبسه، بقيت محتفظة بيه كأثر، بس المرة دي خيطت الجيب الصغير من تاني، وحطيت جواه رسالة مني، كتبت فيها حكايتي كاملة، وكتبت لبنتي المستقبلية لو ربنا كتبلي أبقى أم إن الحقيقة ساعات بتوجع، بس أقسى من الوجع إننا نعيش عمرنا في كدبة، وإن الحماية الحقيقية مش إننا نخبي، لكن إننا نقوي اللي بنحبهم عشان يقدروا يواجهوا، عديت سنين، وربنا رزقني ببنت سميتها أميرة على اسم أمي،
وكل ما كانت تسألني عن جدتها الكبيرة وردة كنت أحكيلها حكايتها بفخر، من غير خوف ومن غير أسرار، وفي يوم وهي عندها خمس سنين، دخلت عليا وأنا ماسكة الفستان وبتقولي إنها عايزة تبقى زيي لما تكبر، ساعتها حضنتها بقوة وحسيت بدائرة الحياة بتكمل، السر اللي كان متخبي تحت الدانتيل ما بقاش لعنة، بقى سبب قوة، علمني إن الحقيقة ممكن تتأخر بس لازم تطلع، وإن الحب الحقيقي أحياناً بييجي في شكل تضحية وسكوت سنين، فستان فرح جدتي ما كانش بس شاهد على جريمة قديمة، كان شاهد على رحلة بنت اتربت على كدبة عشان تتحمي، وكبرت عشان تكشفها، وبعدين اختارت إنها تحوّل الألم لرسالة، والوجع لبداية جديدة، وعرفت في الآخر إن وردة فعلاً ما كانتش الشخص اللي أنا فاكراه، كانت أقوى بكتير، كانت ست بسيطة قدام الناس، لكن جواها جبل قدر يشيل سر تقيل سنين طويلة عشان يحافظ على حفيدته، ولما جه الوقت المناسب سلّمها الحقيقة زي أمانة، وأنا بدوري سلّمتها للحياة من غير خوف، ومن ساعتها وأنا كل ما أبص على الفستان الأبيض المعلّق في الدولاب، أبتسم وأقول لنفسي إن بعض الأسرار بتتخبى تحت الدانتيل، بس أول ما تتكشف، بتخلينا نولد من جديد.

 

تم نسخ الرابط