كانت أول جراحة أجريها

لمحة نيوز


بصوت مبحوح كيف هي؟
قلت حية. الجراحة نجحت.
انهار في المقعد. الحمد لله.
جلست بجانبه.
قال بعد صمت أنا آسف. فقدت أعصابي.
قلت كنت خائفًا.
ثم نظر إليّ جيدًا. هل أعرفك من قبل؟
قلت اسمك إيثان، صحيح؟ هل تتذكر وجودك هنا وأنت في الخامسة؟
قال أذكر ومضات... أعلم أن جراحًا أنقذني.
قلت بهدوء كنت أنا.
حدق بي مصدومًا.
أمي قالت إننا كنا محظوظين.
سألته لم تخبرك أننا كنا في المدرسة معًا؟
قال بدهشة أنت مارك ذاك؟
ضحك جافًا. لم تقل ذلك أبدًا.
صمت طويل.
قال وهو يمرر أصابعه فوق الندبة الممتدة على خده، كأنها خطّ قديم على خريطة لا يستطيع محوه
كرهتُ هذه الندبة. كانوا يسخرون مني في المدرسة. كانوا يلقبونني بأسماء لم أنسها حتى اليوم. كنت أعود إلى البيت وأتظاهر أنني لا أبالي، لكنني كنت أتحاشى النظر في المرآة. أبي رحل بعد الحادث بعامين. قال إنه لم يعد يحتمل رؤية ما حدث. أمي لم تواعد أحدًا بعده. بقيت متمسكة بي كأنني الشيء الوحيد المتبقي لها. وأحيانًا... أحيانًا كنت ألوم الجراحين. كنت أفكر، لو لم أنجُ... لو انتهى كل شيء في تلك الليلة، ربما لما حدث كل هذا.
كانت كلماته تخرج ببطء، مثقلة بسنوات من الأسئلة غير المطروحة. لم يكن يتهمني بقدر ما كان يفرغ حمولة عمر كامل من الألم.
قلت بصوت خافت آسف.
هز رأسه ببطء، وعيناه لم تعودا غاضبتين كما كانتا في موقف السيارات. كان فيهما شيء آخر شيء يشبه الفهم

المتأخر.
لكن اليوم... قال وهو يبتلع ريقه، حين ظننت أنني سأفقدها؟ حين رأيتها هناك، رأسها متدليًا، وصوتها غائبًا... أدركت أنني كنت مخطئًا. كنت سأتحمل كل شيء من جديد. كل سخرية، كل نظرة، كل ألم في صدري بعد العمليات. فقط لأبقيها هنا. فقط لأسمعها تناديني باسمي مرة أخرى.
نظرت إليه طويلًا. قلت هذا ما يفعله الحب. يجعلك تعيد ترتيب الألم في داخلك، ويقنعك أن الندوب ليست دائمًا لعنة.
وقف فجأة، وكأنه لم يعد يحتمل ثقل الجلوس، ثم تقدّم نحوي بقوة. لم يكن مجاملة. كان رجل نضج فجأة، بعد أن ظن نفسه محطمًا.
همس في أذني شكرًا. عن الماضي. وعن اليوم. عن كل شيء.
رفعت يدي وربتُّ على ظهره. أنتم مقاتلان. أنت وأمك. لم تكن الندبة يومًا علامة ضعف. كانت دليل بقاء.
بقيت إيميلي في وحدة العناية المركزة عدة أيام، ثم أسابيع. كنت أجد نفسي أزور جناحها كل صباح، حتى في الأيام التي لم أكن فيها مسؤولًا عن حالتها رسميًا. لم أكن أحتاج إلى مبرر طبي. كنت أحتاج إلى الاطمئنان.
حين فتحت عينيها لأول مرة بعد العملية، كنت واقفًا عند قدم السرير، أراجع شاشة المراقبة. التفتت نحوي ببطء، ونظرتها ضبابية تحت تأثير الأدوية.
قلت مبتسمًا مرحبًا يا إيم.
حاولت أن تضحك، لكن صوتها خرج مبحوحًا إما أنني متّ، أو أن الله يملك حس دعابة غريبًا جدًا.
اقتربت قليلًا. أنت حية. وبعنادك المعتاد.
غمزت بعين واحدة بصعوبة. إيثان أخبرني.
كنت جراحه... والآن جراحي. يبدو أنك لا تعرف كيف تخرج من حياتنا.
أومأت وأنا أشعر بشيء يتحرك داخلي، شيء كنت قد دفنته منذ زمن بعيد.
مدّت يدها الضعيفة وأمسكت بيدي. لم يكن عليك أن تنقذني. كنت قد مضيت بحياتي. لم أكن أتوقع أن أراك مرة أخرى، فضلًا عن أن تفتح صدري مرتين خلال عمر واحد.
قلت بهدوء سقطتِ قرب مستشفاي مرة أخرى. هل كنتِ تتوقعين أن أترككِ؟
ابتسمت، ثم تألمت. لا تجعلني أضحك. الألم لا يزال حاضرًا.
جلسنا للحظات، لا نحتاج إلى كلام. صوت الأجهزة حولنا كان إيقاعًا منتظمًا للحياة حياة أُعيدت مرتين.
قالت فجأة، بنبرة أكثر جدية مارك... حين أتعافى... هل نحتسي قهوة؟ في مكان لا تفوح منه رائحة المعقمات؟ مكان لا يذكرني بأنني كدت أفقد كل شيء.
ابتسمت. أود ذلك.
نظرت إليّ طويلًا، بعينين تحملان تاريخًا كاملاً. لا تختفِ هذه المرة.
تنفست ببطء. لن أفعل.
خرجت من المستشفى بعد ثلاثة أسابيع. كانت أضعف مما عرفتها، لكنها كانت حية. كانت تمشي ببطء، وإيثان يسندها كما كانت تسنده قديمًا وهو يتعلم المشي من جديد.
في صباح اليوم التالي، تلقيت رسالة منها
الدراجات الثابتة شيطانية. وطبيب القلب الجديد قال إن عليّ تجنب القهوة. إنه وحش.
ضحكت وأنا أقرأها. أرسلت لها
حين يُسمح لكِ، الجولة الأولى عليّ. وسأحضر قهوة خالية من الكافيين إن لزم الأمر.
بدأنا نلتقي في مقهى صغير في وسط المدينة. طاولته الخشبية
قرب النافذة صارت مكانًا ثابتًا لنا. نتحدث عن الكتب التي قرأتها خلال فترة تعافيها، وعن الموسيقى التي كان إيثان يعزفها في شقته الصغيرة، وعن حياتي التي انشغلت طويلًا بالعمليات حتى نسيت أن أعيش خارجها.
أحيانًا ينضم إلينا إيثان. يجلس قبالتنا، يبتسم عندما يرى أمه تضحك. لم تعد الندبة عبئًا كما كانت. صارت مجرد خط في وجه رجل يعرف الآن لماذا بقي حيًا.
في إحدى الأمسيات، قال لي وهو يحرك فنجان قهوته تعلمت شيئًا بعد ذلك اليوم في موقف السيارات.
سألته ما هو؟
قال أن النجاة ليست ضمانًا لحياة سهلة. لكنها فرصة. وأنت أعطيتني تلك الفرصة. مرتين.
نظرت إلى وجهه، إلى تلك الندبة التي كانت يومًا مصدرًا لغضبه، وفكرت في الليلة الأولى، في رموشه الطويلة على بشرته الشاحبة، وفي خوفي من أن أفشل.
ولو جاءني أحد يومًا وقال إنني دمّرت حياة ذلك الطفل؟
سأنظر إليه بهدوء، وأقول
إن كان الإصرار على أن تبقى حيًا يُعد تدميرًا لحياتك، إذًا نعم... أنا مذنب.
لأنني رأيت ما يحدث حين يتوقف القلب. ورأيت ما يحدث حين يعود للنبض.
وربما، في النهاية، ليست الندوب هي ما يحدد حياتنا، بل ما نختار أن نفعله بعدها.
أي لحظة في هذه القصة جعلتك تتوقف طويلًا؟ لحظة الغضب؟ أم لحظة الغفران؟ أخبرنا في تعليقات فيسبوك.
وإذا لامستك هذه القصة، فهناك حكاية أخرى عن ملاك صغير باع عصير الليمون ليجمع ثمن جراحة لوالده، ولم يكن يعلم أن
سيارة رباعية الدفع ستمر يومًا فتغيّر حياتهم إلى الأبد.

 

تم نسخ الرابط