كبرت في دار أيتام
كبرت في دار أيتام فاكرة إن أمي رمتني… لحد ما بنت غريبة بعتتلي رسالة وقالتلي: "إحنا أخوات"
اسمي ريم، عندي 23 سنة.
طول عمري كنت حاسة إن حياتي ناقصها حاجة… حاجة كبيرة أوي.
كبرت في دار أيتام في المنصورة، وكل ما أسأل عن أهلي كانوا يردوا نفس الرد البارد:
"أمك سابتك، وأبوك مش موجود. انسي الموضوع وعيشي حياتك."
لا صور.
لا شهادة ميلاد واضحة.
ولا حتى حكاية أتمسك فيها.
كنت بحاول أقنع نفسي إن ده عادي… إن في ناس كتير زيي.
بس جوايا دايمًا كان في صوت بيقول:
لا… في حاجة مستخبية.
السنة اللي فاتت، وأنا قاعدة عادي على الموبايل، جاتلي رسالة على إنستجرام من بنت اسمها سارة.
"معلش لو كلامي هيبان مجنون… بس أنا عملت تحليل DNA من فترة، والنتيجة بتقول إن عندي أخت… واسمها ريم."
ضحكت في الأول وافتكرتها هزار تقيل.
بس لما بعتتلي صور التحليل… قلبي وقع.
اتقابلنا في كافيه صغير.
أول ما شفتها حسيت بحاجة غريبة… شبه بينا. نفس ملامح العين، نفس طريقة الكلام.
قعدنا ساعات نحكي.
قالتلي إن مامتنا اسمها منى، وكانت بتضحك بصوت عالي أوي،
كنت بسمع وقلبي بيتوجع…
أول مرة أحس إن ليّ أصل.
لكن سؤال واحد فضل معلق:
لو إحنا أخوات… ليه إنتي كبرتي وسط أهلك وأنا اترميت في دار أيتام؟
كانت دايمًا تغيّر الموضوع وتقول:
"هفهمك بعدين."
لحد يوم ما قالت فجأة:
"تعالي أقابلك بابا."
رجلي كانت بتترعش وأنا واقفة قدام بيت قديم في المنصورة.
البيت شكله عادي… بس قلبي كان حاسس إنه شايل سر كبير.
قبل ما نخبط على الباب، مسكت إيدي وقالت بصوت واطي:
"ريم… لازم تعرفي حاجة قبل ما ندخل."
بصيتلها باستغراب.
همست:
"أوعي تثقي في تيتة."
الباب اتفتح…
وأول ما دخلت فهمت إن تحذيرها ماكانش مبالغة.
البيت متوضب زيادة عن اللزوم، وعلى الحيطة صور كتير.
قربت خطوة… وقلبي وقف.
دي ماما.
عرفتها فورًا من ملامحي اللي في وشها.
بس الصدمة كانت إن في صور حديثة… صور ليها وأنا طفلة صغيرة.
أنا معنديش ولا صورة من طفولتي.
مين كان بيصورني؟
وفجأة سمعت صوت كرسي بيتحرك ورايا:
"أخيرًا رجعتي."
لفّيت ببطء… لقيت ست كبيرة قاعدة على الكنبة، شعرها أبيض ونظرتها
سارة قالت بصوت مهزوز:
"دي تيتة…"
ابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
"كنت عارفة إن اليوم ده هييجي."
سألتها وقلبي بيدق بعنف:
"فين بابا؟"
ردت بهدوء يخوّف:
"أبوك طول عمره ضعيف… وأمك كانت أضعف."
وقبل ما أفهم قصدها، الباب الداخلي اتفتح فجأة…
وصوت راجل طلع من جوه البيت:
"هي عرفت؟"
سارة شهقت.
وتيتة ابتسمت وقالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
"لسه ما قالتلهاش الحقيقة كلها…"
ساعتها بس فهمت إن حكايتي مش مجرد طفلة اتسابِت…
في سر أكبر لسه مستخبي.
الراجل خرج من الأوضة بخطوات تقيلة…
كان في أواخر الأربعينات، ملامحه مرهقة، وعينيه أول ما شافوني لمعت… مش فرحة، لأ… خوف.
قال بصوت مكسور: "ريم…"
الاسم خرج من بُقه كأنه حافظه من سنين.
رجعت خطوة لورا. قلبي بيخبط في ضلوعي بعنف.
"إنت بابا؟"
سكت لحظة… وبص لتِتة. وتيتة هزت راسها كأنها بتأذن له يتكلم.
قال بصوت واطي: "آه… أنا أبوكي."
الكلمة دي عمري ما سمعتها من حد. بس بدل ما تحضنّي… حسيت بغصة.
لفّيت على سارة: "يعني إنتي كنتي عارفة؟"
دموعها نزلت: "كنت عارفة جزء…
بصيت لتِتة: "إيه الحقيقة؟"
ضحكت ضحكة ناشفة: "الحقيقة إنك ما اترميتيش."
سكت البيت كله.
"إنتِ اتاخدتي."
حسيت الأرض بتميد تحت رجلي. "اتاخدت؟ يعني إيه؟"
أبويا قعد على الكرسي كأنه انهار فجأة. "أمك كانت عايزة تطلقني… كانت عايزة تمشي وتاخدكم معاهـا."
تيتة قاطعته بحدة: "كانت متهورة! كانت هتخرب البيت!"
صرخت: "كملي!"
قالت ببرود: "أمك كانت ناوية تسيب البلد. وأنا ماكنتش هسمح بده."
سارة كانت بترتعش. وأبويا حط وشه بين إيده.
همست: "عملتي إيه؟"
بصّتلي في عيني بثبات مخيف: "خليت حد ياخدك من المستشفى."
شهقت. "كنت لسه مولودة؟!"
"كان أسهل وقت… شهادة الميلاد اتبدلت. وقلت لابنك إنك متِّي."
لفّيت على أبويا كالمجنونة: "قلتله إني مت؟!"
بصلي وهو بيعيط: "كنت فاكرها ماتت فعلاً… أمي قالتلي إنك اتولدتي بتشوه خطير ومامتك ما استحملتش ومشيت…"
تيتة ضربت الأرض بعصاها: "كنت بحمي العيلة!"
صرخت بأعلى صوتي: "حميتوا نفسكم مني؟!"
سارة قربت مني: "لما كبرت وبقيت أشك، عملت تحليل DNA من وراهم… كنت حاسة إن في حد ناقص.
دموعي نزلت غصب عني. "يعني أنا طول عمري في دار أيتام… عشان إنتي قررتي إني عار؟"
تيتة ردت بقسوة: "ماكانش ينفع واحدة زي أمك تكسّر كلامي."
همست: "فين ماما؟"
سكتوا.