اكتشفت سر جدي

لمحة نيوز


بيته القديم وأشوف الجنينة بحس إنه لسه بيراقبني بابتسامته الهادية مش كجار طيب الملامح لكن كأب فضل ٤٠ سنة يحرس بنته من بعيد وأخيرا ارتاح.
عدت شهور بعد ما اكتشفت الحقيقة لكن الهدوء اللي كنت فاكرة إنه رجع لحياتي كان هدوء سطحي زي بحر شكله ساكن بس تحته تيارات قوية. بقيت كل يوم تقريبا أعدي على الجنينة أقعد تحت شجرة التفاح وأتكلم معاه بصوت واطي أحكيله عن الولاد عن مشاكل المدرسة عن شغل جوزي عن خوفي اللي بييجي فجأة من غير سبب. كنت حاسة إني بعوض سنين طويلة فاتتني وبحاول أتعلم أكون بنت لراجل مات قبل ما أقول له يا بابا قدامه وهو سامعني.
بس أكتر حاجة كانت بتوجعني فكرة إن فيه ناس خطرين زي ما قال في الرسالة. مين هما وهل فعلا انتهى الخطر بموته ولا أنا كنت طول عمري ماشية جنب نار متغطية بالتراب حاولت أقنع نفسي إن دي مجرد بقايا ماضي انتهى لكن إحساسي ما كانش مطمن.
وفي ليلة شتوية كنت قاعدة في الصالة والولاد نايمين لقيت حد بيخبط على الباب خبط خفيف لكنه متكرر. الساعة كانت داخلة على ١١ بالليل. بصيت من العين السحرية لقيت راجل كبير في السن ملامحه حادة وعينيه ثابتة بطريقة غريبة. فتح جوزي الباب بحذر. الراجل سأل علي بالاسم. قلبي وقع في رجلي.
خرجتله وأنا بحاول أبان هادية. قاللي بصوت منخفض أنا كنت صاحب ويتمر زمان. أول ما قال اسمه حسيت بدوخة خفيفة. كمل وقال إنه عرف بوفاته وإنه محتاج يسلمني حاجة كان المفروض توصل لي من سنين بس الظروف ما سمحتش. مد إيده بكيس

ورق قديم ومشي قبل ما أسأله أي سؤال.
قفلت الباب وإيدي بتترعش. فتحت الكيس لقيت دفتر مذكرات جلدي نفس نوع الجلد اللي كان في الصندوق. فتحت أول صفحة لقيت تاريخ من ٣٩ سنة. كان بيكتب يومياته بالتفصيل. عن حبه لأمي عن هروبه عن اتفاقه مع الراجل اللي رباني عن أول مرة شافني عن خوفه الدائم إن حد من ماضيه يكتشف مكانه. لكن أخطر سطر قرأته كان لو حصل لي حاجة فجأة يبقى هم وصلوا. وساعتها لازم بنتي تعرف إن فيه ورق تاني في البنك باسم مستعار.
الدم جمد في عروقي. بنك ورق تاني هو كان مخبي إيه تاني وهل اللي خبط الباب كان فعلا صاحبه ولا واحد من هم
قضيت الليلة مش بنام. تاني يوم رحت البنك اللي كان مكتوب اسمه في المذكرات. سألت عن صندوق أمانات باسم الشخص المستعار اللي كاتبه. الموظف بصلي باستغراب وقال إن الصندوق موجود وإن فيه خطاب رسمي بيسمحلي أفتحه بصفتي المستفيدة الوحيدة في حالة وفاته. حسيت إن رجلي مش شايلاني.
دخلت غرفة صغيرة وفتحوا الصندوق قدامي. كان جواه ملف تاني وصورة ليا وأنا رضيعة متاخدة من زاوية بعيدة وكأن حد كان بيراقب البيت. ومعاها مستندات تثبت إن ويتمر كان شاهد رئيسي في قضية قديمة ضد شبكة تهريب كبيرة جدا وإنه اختفى بعد ما شهد ضدهم. الأسماء كانت مشطوبة بالقلم لكن في هامش الورق كان فيه ملاحظة بخطه القضية اتقفلت رسميا لكن مش كلهم اتحاسبوا.
ساعتها فهمت. هو ما كانش مجرد راجل هربان من مشكلة صغيرة هو كان عايش بهوية جديدة طول عمره عشان حمى نفسه وحماني.
وجوده جنبي ما كانش صدفة. كان اختيار محسوب يفضل قريب مني عشان يراقب أي خطر.
رجعت البيت وأنا شايلة ثقل جبل على صدري. حكيت لجوزي كل حاجة. قررنا ما نقولش لحد حتى أمي. اكتفينا إننا نزود حذرنا شوية نركب كاميرات ونخلي الولاد دايما في نطاق نظرنا. يمكن كنت بأوهم نفسي إن ده كفاية.
عدى أسبوعين بهدوء لحد ما لقيت الشجرة شجرة التفاح مقطوعة نصين. حد دخل الجنينة بالليل وقطعها من جذعها. وقفت قدامها وأنا مش قادرة أتنفس. الرسالة كانت واضحة إحنا عارفين.
بلغنا الشرطة قالوا يمكن تخريب عشوائي. بس أنا كنت عارفة إنه مش عشوائي. اللي عمل كده يعرف بالظبط قيمة الشجرة دي بالنسبة لي.
في الليلة دي فتحت المذكرات تاني وفضلت أقرأ لحد ما وصلت لصفحة كنت معدية عليها بسرعة قبل كده. كان كاتب لو الشجرة اتأذت يوما ما يبقى لازم بنتي تسيب المكان فورا. لأن ده معناه إن الماضي رجع يدور.
السطور كانت واضحة كالشمس. هو كان متوقع ده. كان حاسب حساب كل خطوة.
بصيت حواليا على البيت اللي عشت فيه سنين على الحيطان اللي مليانة ذكريات على أوضة الولاد على ركن القعدة اللي كنت بشرب فيه قهوتي كل صباح. فكرة إني أسيب كل ده كانت كسرة قلب جديدة. لكن فكرة إني أعرضهم لخطر كانت أقسى.
في الصبح جمعت جوزي وقعدنا نتكلم بهدوء طويل. قررنا نبيع البيت وننقل مدينة تانية خالص. مكان محدش يعرفنا فيه. نفس اللي عمله هو زمان عشان يحمي اللي بيحبهم.
وأنا بحزم هدومي وقفت قدام مراية الأوضة وافتكرت حياتي قبل ما
أفتح الصندوق. كنت فاكرة نفسي ست عادية جدا قصتها بسيطة ومستقرة. طلعت بنت راجل عاش مطارد وحب في السر وضحى بحقه في أبسط كلمة ممكن يسمعها بابا.
قبل ما نمشي بيوم رحت على قبره تاني. قلتله وأنا ماسكة قطعة خشب صغيرة من جذع الشجرة المقطوعة أنا فهمت الدرس وهعمل زيك. هحمي ولادي حتى لو اضطر أختفي. ساعتها حسيت بنسمة هوا خفيفة عدت على وشي كأنها طبطبة مطمنة.
نقلنا فعلا. مدينة جديدة بيت جديد مدرسة جديدة للولاد. حياتنا رجعت هادية من بره بس جوايا بقى في قوة مختلفة. بقيت أكثر وعيا أكثر حذرا وأكثر امتنانا.
وبعد سنة كاملة من الرحيل وصلني ظرف من غير عنوان مرسل. فتحته بإيد ثابتة المرة دي. كان جواه صورة قديمة لأبويا وهو شاب واقف قدام شجرة تفاح صغيرة ورا الصورة مكتوب بخط مش خطه الحساب اتقفل خلاص.
ما كانش فيه تهديد. ما كانش فيه تفاصيل. بس حسيت إن فصل طويل من الخوف اتقفل أخيرا. يمكن العدالة أخدت وقتها يمكن آخر خيط في الماضي اتقطع.
علقت الصورة في مكتبي وحطيت جنبها قطعة الخشب من الشجرة القديمة. كل ما أبص لهم أفتكر إن الحقيقة ساعات بتيجي متأخرة وساعات بتوجع لكن بتديك جذور أقوى.
أنا كنت فاكرة إن قصتي بدأت يوم ما اتولدت. لكن الحقيقة إنها بدأت قبلها بسنين يوم راجل قرر يشهد بالحق ويخسر اسمه ويعيش عمره كله في الظل عشان بنته تعيش في النور.
والنهارده كل ما حد يسألني أنا مين بابتسم وأقول بثقة عمري ما حسيتها قبل كده أنا بنت راجل حب بصمت وحمى بصمت وسابلي شجاعة ما
كنتش أعرف إنها جوايا.

 

تم نسخ الرابط