جدتي سابت بيتها لجارتنا

لمحة نيوز

في الصالة. دي مكنتش مجرد مكنة خياطة قديمة.. دي كانت السلاح اللي جدتي حاربت بيه في صمت عشان تبنيلي مستقبل آمن.
عشت طول عمري مقتنع إن أبويا كان أهدى وأبسط إنسان في الدنيا. راجل موظف حسابات روتيني جدا بيصحى الساعة ٧ الصبح يرجع ٣ العصر يتغدى ينام شوية وينزل يقعد على القهوة مع أصحابه. حياتنا كانت ماشية على المسطرة.
لحد ما اتوفى من شهرين.
وأنا برتب هدومه وحاجاته في دولابه القديم لقيت صندوق خشب صغير مقفول بقفل نحاس مصدي. دورت على المفتاح في كل حتة لحد ما لقيته مخبي جوه بطانة جاكيت قديم من بتوعه.
فتحت الصندوق ولقيت جواه تلات حاجات ساعة جيب قديمة صورة باهتة لست جميلة جدا عمري ما شفتها قبل كده ودي مكنتش أمي الله يرحمها! ومفتاح غريب شكله أثري ومربوط فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها عنوان شقة في عمارة قديمة في وسط البلد.
الفضول كان هياكلني. أبويا الموظف البسيط إيه اللي يربطه بشقة في وسط البلد ومين الست دي
تاني يوم الصبح أخدت المفتاح ورحت
على العنوان. العمارة كانت من عمارات القاهرة الخديوية القديمة سقفها عالي وتفاصيلها فخمة بس الزمن جاي عليها. البواب كان راجل عجوز أول ما شافني تنح وقالي
سبحان الله.. الخالق الناطق أستاذ يحيى وهو شاب!
قلتله باستغراب أنت كنت تعرف والدي
ابتسم بحزن وقالي أعرفه ده أنا حارس شقته اللي في الدور الأخير من ٢٠ سنة.. الله يرحمه كان بيجي هنا كل يوم جمعة الصبح يقعد ساعتين ويمشي من غير ما يكلم حد. الشقة دي محدش دخلها غيره من يوم ما أجرها.
طلعت على السلالم وقلبي بيدق بسرعة. حطيت المفتاح في باب الشقة.. فتح بصعوبة.
أول ما دخلت ريحة تراب مخلوطة بريحة غريبة.. ريحة ألوان زيت وتينر!
فتحت شبابيك الشقة عشان النور يدخل واتصدمت من المنظر. الشقة مكنتش شقة سكنية عادية دي كانت مرسم كبير جدا. مليان لوحات فنية مرصوصة على الحيطان وأدوات رسم ولوحات تانية متغطية بقماش أبيض.
اللوحات كانت احترافية بشكل مرعب! كلها كانت بورتريهات لوشوش ناس شوارع القاهرة القديمة
وتفاصيل دقيقة جدا. وفي زاوية الأوضة كان في مكتب صغير عليه كراسة مذكرات.
مسكت الكراسة وفتحت أول صفحة لقيت خط أبويا المألوف
يا بني.. لو الأيام لفت ووصلت للمكان ده يبقى أنا خلاص مش موجود. أنا عارف إنك مصدوم وعارف إنك بتسأل إزاي أبوك الموظف الروتيني يطلع رسام وليه خبيت عنك كل ده.
بلعت ريقي وكملت قراية وإيدي بتترعش
من ٢٥ سنة كنت فنان تشكيلي طموح والست اللي في الصورة اللي معاك في الصندوق دي كانت زميلتي وحبيبة عمري.. كنا بنرسم سوا وبنحلم سوا. بس في يوم حصلت حريقة في معرضنا وهي حاولت تنقذ لوحاتنا... وماتت.
وقفت ثانية أستوعب الكلام وكملت قراية
بعدها الدنيا اسودت في عيني. كرهت الفن وكرهت الأضواء. اتجوزت والدتك الله يرحمها عشان أعيش حياة هادية وطبيعية وبعيدة عن أي شغف ممكن يوجعني تاني. بس الفن كان زي اللعنة بيمشي في دمي.. مكنتش قادر أبطل رسم فكنت باجي هنا كل أسبوع أرسم وأفرغ طاقتي في السر وأبيع لوحاتي تحت اسم مستعار نور الدين.
نور
الدين!! الاسم ده أنا عارفه.. ده اسم رسام غامض لوحاته بتتباع في المزادات بملايين ومحدش يعرف شكله!
رجعت عيني للمذكرات
أنا مكنتش عايز الفلوس كنت بس برسم عشان أعيش. في درج المكتب اللي قدامك هتلاقي دفتر حسابات بنكي فيه كل مبيعات لوحاتي على مدار السنين دي كلها. الرقم اللي فيه كبير يا بني.. كبير أوي. أنا مخليتلكش تعيش في فقر بس كنت عايزك تكبر وتعتمد على نفسك وتتعب زي أي شاب عادي وتتبني من جواك الأول قبل ما الفلوس تبوظك. دلوقتي الفلوس دي بتاعتك واللوحات دي بتاعتك.. استخدمهم صح وعيش الشغف اللي أنا خفت أعيشه.
فتحت درج المكتب.. ولقيت دفتر البنك. الرقم اللي كان مكتوب فيه كان خيالي يغير حياة أي حد.
بصيت للوحة متغطية في نص الأوضة شديت القماش من عليها.. كانت لوحة كبيرة جدا مرسوم فيها أنا وأبويا وأمي وإحنا بنضحك في جنينة أيام ما كنت طفل صغير.
أبويا عاش عمره كله يمثل إنه شخص عادي وممل بس في الحقيقة كان مخبي جواه عالم كامل من
الألوان وسايبلي
ثروة ودرس عمري ما هنساه!

تم نسخ الرابط