كل ليلة في تمام الساعة الثالثة فجراً
كان الشارع فارغاً تماماً إلا من تلك السيارة الفضية
المسافة بيني وبينها لا تتعدى عشرين متراً..
بدأت أمشي نحوها..
كانت ساقاي ثقيلتين كأنهما مصنوعتان من الفولاذ..
كل خلية في جسدي تصرخ بي لأعود وأغلق الباب
لكني واصلت التقدم..
اقتربت أكثر
الزجاج كان معتماً جداً
لا أستطيع رؤية من بالداخل..
وعندما أصبحت بجوار باب السائق تماماً
رأيت توهج سيجارة مشتعلة في الداخل..
رفعت يدي وطرقت على الزجاج بقوة وعصبية
صرخت بصوت مرتعش لكنه مليء بالتحدي:
"من أنت؟! ماذا تريد منا؟! "
مرت ثوانٍ بدت كالدهر
سكون تام
شعرت بالبرودة تسري في عروقي..
هل يحمل سلاحاً؟ هل سيدهسني الآن؟
ببطء شديد بدأ زجاج نافذة السيارة ينزل للأسفل..
خرجت منها على الفور رائحة تبغ قوية ..
تلك الرائحة أنا أعرفها جيداً..
هذا النوع من التبغ الرخيص القديم يبدو مألوفاً..
عندما انقشع الدخان ورأيت الوجه بوضوح تحت ضوء عمود الإنارة الخافت..
سقطت السكين من يدي المرتجفة وارتطمت بالأسفلت بصوت معدني حاد..
هذا الوجه المألوف جمد الدماء في عروقي..
لأن الشخص في السيارة..
لم يكن مطارداً
لم يكن قاتلاً مأجوراً
لم يكن طليقي
بل كان رجلاً عجوزاً
بتجاعيد عميقة تحفر وجهه
وعيون متعبة وحزينة
لقد كان "والدي"
والدي الذي قاطعته منذ خمس سنوات
والدي الذي طردني من منزله عندما أصررت على الزواج من طليقي "سامي"
وقال لي حينها جملته التي لن أنساها:
"إذا أخترتِ هذا الرجل، أنتِ لست أبنتي ولا أعرفك .. هذا الرجل سيدمر حياتك"
ومنذ ذلك اليوم، لم نتبادل كلمة واحدة..
كبرياؤه منعه من الاتصال بي..
وأنا ورثت منه ذلك العند والكبرياء اللذان منعاني من العودة والاعتراف بأنه كان محقاً وأن اختياري كان خاطئ ..
وقفت أمامه في ذهول:
"بابا؟ ماذا تفعل هنا؟ "
نظر إليّ بعينين يبدو عليهما الارهاق والسهر ..
أطفأ سيجارته ببطء في منفضة السيارة الممتلئة
وقال بصوت مبحوح:
"
شعرت وكأن الأرض تميد بي..
"ماذا؟ لم يخبرني أحد"
أكمل والدي وهو ينظر إلى:
"أعرف، أنتِ لطالما كرهتِ متابعة الأخبار.. لذلك لم تكن لتعرفي ذلك أبداً"
ابتلع ريقه بصعوبة وأكمل:
"سمعت من أحد المعارف أنه يقسم بالانتقام منكِ
لأنكِ أدخلته السجن بقضية النفقة
لذلك بدأت أبحث عنك في كل مكان
و عرفت منذ أيام فقط .. أنكِ تعيشين وحدك هنا"
صمت قليلاً ثم قال:
"لم أستطع المجيء إليك وطرق بابك
خفت أن تطرديني
خفت أن تقولي لي أنني جئت لأشمت بكِ..
لكنني في نفس الوقت لم أستطع النوم وأنا أعلم أنه قد يأتي لإيذائك أنتِ وحفيدتي
فقررت أن آتي كل ليلة في هدوء..
أجلس هنا حتى تشرق الشمس..
لأتاكد أنكِ بأمان حتى و لو كنتِ تكرهينني"
نظرت إليه في خجل..
لم يكن متربصاً يريد ايذائي..
لم يكن هناك سلاح بجانبة كما ظننت..
بل قهوة، ترمس، وغطاء صوف قديم وصورة صغيرة لي وأنا
انهار كل الجدار الذي بنيته بداخلي طوال خمس سنوات..
كل الغضب وكل العناد وكل الكبرياء..
انهار في لحظة واحدة أمام وجه هذا الرجل الذي يحرسني في البرد القارس وهو يعتقد أنني أكرهه..
أبي لم يأتي ليحكم علي..
لم يأتي ليشمت بي..
بل أتى ليحميني من الوحش الذي فضلته علي أهلي..
كان يفعل ذلك بصمت ودون أن يطلب حتى كلمة شكراً..
فتحت باب السيارة..
وارتميت في حضنه باكية كما لم أبكِ من قبل..
بكيت بكاء الطفلة التي تاهت وعادت إلى أهلها..
وبكاء المرأة التي كسرها العالم ووجدت سندها..
في تلك الليلة..
صعد والدي معي.
ورأى حفيدته لأول مرة.
لم أدعه ينتظر في السيارة كما اعتاد..
بل رتبت له غرفة خاصة ليكون معنا دائماً..
أما أنا..
فنمت تلك الليلة نومًا عميقًا..
نوماً لم أعرفه منذ أسابيع..
ليس لأن الخطر انتهى..
بل لأنني أيقنت..
أن الأمان الحقيقي يكون في وجود من يحبك بجانبك
وبالنسبة لي الأمان يتلخص في كلمة واحدة.. هي "أبي" ..
لو عجبتك القصة، نتمنى تشاركنا رأيك في التعليقات🌹