بعرف إن الصفعة اللي نزلت على خدي في يوم عيد ميلاده ما كانتش نهاية حكايتنا، كانت بداية نار صغيرة جواه خلته يحوّل الألم لقوة، واللي خرج من حياتنا سايب فراغ كبير، ما يعرفش إنه علّم ابنه درس عمره ما كان هيقصد يعلّمه، إن الكرامة أهم من أي مال، وإن اللي يتساب وهو طفل ممكن يرجع يوم وهو قادر يغيّر مصيره بإيده، وإحنا ما عدناش محتاجين حد يدفع ثمن، لأن أعظم رد كان إننا عشنا ونجحنا وفضلنا واقفين.
بعد ما الحكم صدر ورجع الحق، كنت فاكرة إن القصة خلصت عند كده، لكن الحقيقة إن بعض الجروح ما بتتقفلش بورقة من المحكمة، وخصوصًا جرح طفل شاف أمه بتتضرب قدامه واتساب وهو واقف ماسك شمعة عيد ميلاده، مايلز رجع من تكساس وهو هادي بشكل غريب، مش فرحان بالنصر ومش مهزوم، بس ساكت، بيقعد بالساعات في البلكونة يبص على السما وكأنه بيراجع شريط طويل من عمره، وفي ليلة قالي بهدوء ماما أنا فاكر كل حاجة بالتفصيل، فاكر صوت الكف، فاكر نظرتك وإنتي بتحاولي تبيني قوية، فاكر إحساسي إني لازم أكبر في لحظة واحدة، حاولت أهوّن عليه وأقوله إن ده ماضي وعدّى، لكنه هز راسه وقال الماضي عمره ما بيعدّي لو ما فهمناهوش، ومن اليوم ده بدأ يعمل حاجة أنا ما كنتش متوقعة، بدأ يخصص جزء كبير من وقته وفلوسه لمساعدة ستات وأطفال اتسابوا فجأة من غير
سند، أسس مؤسسة باسم صغير ما حدش يعرف قصته غيرنا، وبدأ يمول برامج تعليم للأطفال اللي ظروفهم صعبة، كان بيقول كل طفل يستاهل فرصة زي الفرصة اللي أنا صنعتها لنفسي، وفي كل افتتاح مشروع جديد كنت بشوفه واقف قدام الناس واثق، لكن أول ما يرجع البيت يحط راسه في حضني لحظة قصيرة كأنه بيرجع طفل تاني، وبعد شهور من النجاح المتواصل جاله اتصال ما كنتش أتمنى ييجي، رقم غريب من تكساس، ساب الموبايل يرن شوية وبعدين رد، سمعته بيقول أيوه أنا، وسكت فترة طويلة، وبعد ما قفل قال لي كان هو، ديريك، صوته كان متغير، مكسور، طلب يقابله، قلبي انقبض وخفت من رجوع الفوضى، لكن مايلز قال المرة دي أنا مش الطفل اللي بيجري ورا عربية، أنا راجل يقدر يختار يقابل أو يرفض، وفعلاً سافر تاني، المرة دي لوحده، قعد قدامه في كافيه صغير بعيد عن المكاتب والمحامين، حكى لي بعد ما رجع إن ديريك شكله كان أكبر من عمره بعشر سنين، شعره شاب وعيونه فيها ندم واضح، حاول يعتذر ويقول إنه كان ضعيف وإنه خسر كل حاجة مهمة في حياته، وإنه كل ليلة بيفتكر صرخة ابنه، مايلز سمعه للآخر من غير ما يقاطعه، وبعدين قال له كلمة واحدة كان وقعها أقوى من أي حكم محكمة، قال له أنا سامحتك عشان نفسي مش عشانك، أنا مش شايل غضب خلاص، بس ده ما يمحيش اللي حصل، ومش معناه إننا هنرجع
حاجة زي زمان، لما حكى لي الجملة دي حسيت بفخر أكبر من أي فخر حسيت بيه يوم ما بقى مليونير، لأن أصعب انتصار مش إنك تكسب قضية، أصعب انتصار إنك ما تخليش الألم يحوّلك لنسخة من اللي وجعك، الأيام بعدها كانت أهدى، مايلز بدأ يخطط لتوسيع شركته عالميًا، دخل في استثمارات ضخمة وبقى اسمه بيتقال جنب أكبر رواد الأعمال، لكن كان دايمًا يخصص يوم في الشهر يزور فيه المدارس الفقيرة بنفسه من غير إعلام ولا كاميرات، يقعد مع العيال ويسمع أحلامهم ويقول لهم إن البداية الصعبة مش نهاية، وفي عيد ميلاده العشرين بعد الثلاثين، قرر يعمل حاجة رمزية جدًا، رجع للشقة القديمة اللي كنا ساكنين فيها، كانت لسه واقفة بس أكتر تعبًا، اشترى العمارة كلها وجدّدها وحولها لسكن مدعوم لأمهات لوحدهم مع أولادهم، ولما سألته ليه المكان ده بالذات قال عشان هنا اتكسرت حاجة وجواها اتبنت حاجة أقوى، لازم المكان نفسه يشوف نهاية مختلفة، وفي افتتاح المبنى وقف قصادي قدام الناس كلها وقال لو ماما ما وقفتش تشتغل ليل ونهار وتعلّمني إن الكرامة أهم من الراحة ما كنتش هبقى هنا، حسيت ساعتها إن كل دمعة نزلت مني زمان كانت بتسقي شجرة كبيرة بتكبر قدامي دلوقتي، وبعد سنين من الاستقرار والنجاح جاله عرض يدخل عالم السياسة أو ياخد منصب كبير بسبب شعبيته وتأثيره، لكنه
رفض وقال أنا مش عايز سلطة، أنا عايز أثر، ومع الوقت بقى اسمه مرتبط بالتمكين والتعليم والدعم، أما ديريك فسمعنا إنه حاول يبدأ من جديد في مكان تاني، حياة بسيطة بعيدة عن الأضواء، مايلز ما سألش عنه تاني، ولا شمت فيه، ولا حاول يتتبعه، كأنه أقفل الباب بهدوء من غير ما يخبطه، وفي ليلة هادية كنت قاعدة جنبه في الجنينة وهو بيبص للبيت الكبير اللي بناه، سألته لو رجع بيك الزمن لليلة عيد ميلادك العاشر كنت تتمنى إيه يتغير، فكر شوية وقال يمكن كنت أتمنى ما تشوفيش الكف ده، بس لو ما حصلش يمكن ما كنتش هبقى الشخص اللي أنا عليه دلوقتي، الحياة ما بتدّيناش اختيارات مثالية يا ماما، بتدّينا مواقف صعبة ونختار إحنا نطلع منها إزاي، ساعتها فهمت إن القصة عمرها ما كانت عن انتقام ولا عن فلوس، كانت عن ولد صغير قرر إن لحظة إهانة ما تحددش مستقبله، وعن أم رفضت تقع رغم الوحدة والخوف، وعن نهاية ما جتش بصوت عالي ولا فضيحة، لكن جت بهدوء شخص عرف قيمته، ومن يومها كل عيد ميلاد بنطفي الشموع سوا، نبص لبعض ونفتكر إن أسوأ ليلة في حياتنا كانت أول خطوة في طريق طويل خلانا نوصل لمكان عمرنا ما تخيلناه، ومبقاش السؤال هل ندفع حد الثمن، بقى السؤال إزاي نكمّل وإحنا مرفوعي الراس، وإزاي نحول الألم لقوة تفتح أبواب لغيرنا قبل ما تفتحها لينا.