ترمّلت وهربت بسبعة أطفال إلى مغارةٍ كان الجميع يخشاها… لكن ما كشفه الجبل هناك غيّر مصيرهم إلى الأبد!
ترملت امرأة فاختبأت في المغارة التي كان الجميع يهابونها لكن ما وجدته هناك جعلها تركع باكية.
سبعة أطفال وأرملة ومغارة لم يجرؤ أحد على أن تطأها قدم. كانت العاصفة تمحو الأرض من تحت أقدامهم غير أن ما عثرت عليه تلك الأم في أعماقها أسقطها على ركبتيها وجعلها تبكي كما لم تبك من قبل. همست إن كنا سنموت فليكن معا قبل أن تدفع أبناءها نحو العتمة.
لكن كان في تلك المغارة شيء ما شيء انتظر عقودا طويلة شيء قادر على أن يحررهم أو يدفنهم إلى الأبد. وأخبروني في التعليقات هل تملكون الشجاعة لدخول مكان لا يجرؤ غيركم على الاقتراب منه
كان المطر يهوي كالسياط على ظهر إيلينا في تلك الأمسية من شهر تشرين الأول عام 1898 في جبال سييرا مادري عاصفة كأنها عازمة على محوها من وجه الأرض هي وذريتها.
كان السماء جرحا مفتوحا بلون الرصاص تصب ماء باردا يحول درب الماعز إلى مصيدة من طين زلق خادع. إيلينا ذات الثمانية والعشرين عاما وقد خط على وجهها قيظ الشمس وحداد الأيام لم تعد تشعر ببرودة المطر على جلدها فالرعب الذي كان يجمد الدم في عروقها كان أشد من أي شتاء جبلي.
قدماها الحافيتان المتصلبتان والمتشققتان حتى النزف تغوصان في الوحل بحثا عن ثبات يائس فيما كان الريح يعوي بين أشجار الصنوبر كأنه نواح الأرواح التي يزعم الشيوخ أنها تسكن تلك التلال الملعونة.
لم يكن هناك متسع للألم ولا للإنهاك ولا حتى للبكاء على زوج ابتلعته الأرض قبل أسبوع واحد. لم يكن هناك سوى وقت للفرار. كانت تحمل في طرف ردائها الطفل ماتيو أصغر أبنائها السبعة رضيعا لم يتجاوز ستة أشهر جسدا دافئا يئن بخفوت ملتصقا بصدرها يطلب دفئا بالكاد تستطيع أن تمنحه.
وخلفها في سلسلة بشرية من البؤس والخوف كان يسير الستة الآخرون أنطونيو أكبرهم في الثانية عشرة بعينين متسعتين أكثر مما ينبغي وخوان
كانت ثياب الكتان التي يرتدونها مشبعة بالمطر ملتصقة بأجسادهم النحيلة كجلد ثان جليدي وأنفاسهم المتقطعة تختلط بدوي الرعود التي تهز القمم.
لم تجرؤ إيلينا على الالتفات خلفها لكن أذنيها وقد حدتهما اليأس التقطتا بين ضجيج العاصفة ما هو أفظع نباح الكلاب بعيدا لكنه منتظم. وفي الوادي الذي بدأت العتمة تبتلعه تلوح نقاط ضوء تتراقص كيراعات غاضبة كانت مشاعل رجال دون روتيليو.
ذلك الرجل الذي لا تقل نفسه ظلمة عن المنجم الذي يستغله نفذ وعيده بعد أن واروا مانويل التراب. لم يكتف بحياة زوجها الذي مات في انهيار داخل المنجم يعلم الجميع أنه وقع بسبب إهمال الدعامات. أراد المزيد.
جاء إلى كوخها صباحا بحذائه الجلدي اللامع المغبر يطالب بالبيت وبالدجاجات الهزيلة القليلة والأدهى من ذلك أنه طالب بأن يكون أنطونيو وخوان سدادا لديون مختلقة على أبيهما ليساقا إلى أعماق الأرض في عمل قاس قبل أن يشتد عودهما.
إيلينا التي لم ترفع صوتها يوما في وجه رجل فضلا عن سيد نافذ شعرت في تلك اللحظة بأن شيئا انكسر في داخلها ثم أعيد تشكيله قوة قديمة شرسة تنبع من رحم الأمومة. لن تسمح للجبل أن يلتهم أبناءها كما التهم زوجها.
دفعت الرياح إلينا إلى الأمام كأن الجبل نفسه يريد أن يحميها. وعندها رأتها. على بعد أمتار قليلة بين صخرتين مكسوتين بطحلب أسود انفتحت الفوهة المظلمة لمغارة الأنين ذلك المكان الذي لم يجرؤ أحد في قرى سييرا مادري على وطئه منذ أجيال.
كان الشيوخ يقولون إن أرواحا عالقة تسكن هناك وإن الأرض تتنفس كحيوان نائم وإن من يدخل لا يعود كما كان أبدا.
لكن لم يكن أمام إلينا خيار آخر.
إما تلك المغارة
وإما موت محقق على أيدي رجال دون روتيليو.
ادخلوا! بسرعة! صاحت
تردد الأطفال. حتى تونيو الثابت دائما تراجع خطوة إلى الخلف.
أمي هناك هناك في الداخل يعيش الموتى تمتمت لوسيا.
نظرت إليهم إلينا واحدا واحدا. أضاء البرق وجوههم عيون ممتلئة بالخوف بالجوع وبمصير لم يكن ينبغي لهم أن يحملوه.
إن كنا سنموت فليكن معا همست وهي تدفعهم برفق نحو الظلام.
ودخلوا.
ابتلعتهم المغارة كفم عملاق يبتلع الضوء. خمد هدير الخارج فجأة. في الداخل كان كل شيء صمتا لا يقطعه إلا تقاطر الماء المتواصل عبر الصواعد.
تقدمت إلينا متلمسة الطريق وماتيو ملتصق بصدرها. كانت رائحة التراب المبلل عميقة حتى كأنها بطعم الصدأ. التقط تونيو غصنا رطبا من الأرض وأشعله بعود الثقاب الذي كان أبوه يحمله دائما في جيبه. أضاء لهب مرتجف الجدران نقوش محفورة قديمة أقدم من القرية نفسها تحكي قصص رجال وجبال.
من صنع هذا همست ماريا.
أسلاف قدامى أجابت إلينا من غير أن تدري من أين جاءت تلك الثقة الذين كانوا يصغون إلى الأرض.
وفجأة سرت رجفة خفيفة في الأرض كزفرة عميقة. بدأت آنا تبكي.
أمي المغارة تتحرك
ليست المغارة يا ابنتي تمتمت إلينا إنه الخوف.
لكنها شعرت به أيضا. اهتزازا دافئا كنبض خافت كأنه صادر من قلب الجبل نفسه.
واصلوا التقدم حتى انفتحت المغارة على قاعة هائلة. في الوسط فوق كومة من حجارة ملساء كان هناك شيء جعل إلينا تهوي على ركبتيها.
مذبح.
لكن ليس مذبحا عاديا.
فوقه ملفوفا بالغبار وخيوط العنكبوت كان شيء تعرفه جيدا صليب من فضة.
ليس أي صليب.
إنه الصليب الذي كان مانويل زوجها يعلقه في عنقه منذ يوم زواجهما.
هو نفسه الذي لم يعثروا عليه حين أخرجوه ميتا من تحت الأنقاض.
مانويل أنت وهي تلمس الصليب بأصابع مرتجفة ماذا كنت تفعل هنا
التف الأطفال حولها في صمت يشبه صمت المقابر. لم يكن في أعينهم
سوى سؤال واحد لا يجرؤون على صياغته.
أمي أتظنين أن أبي جاء إلى هنا قبل أن يموت
كان صوته مبحوحا لا من البكاء بل من محاولة التماسك. لم يعد طفلا تماما لكنه لم يكن رجلا بعد.
أومأت إلينا ببطء وغصة حادة تعتصر حلقها.
أظن قالت وهي تحدق في الصليب أنه أراد أن يترك لنا أثرا علامة طريقا.
مدت أصابعها المرتجفة إلى الصليب الفضي ومسحت عنه طبقة الغبار المتراكم. بدا الضوء المنعكس عليه خافتا لكنه ثابت كنبض لا يريد أن يخبو.
وفجأة
اهتز الهواء.
لم يكن صوتا بل إحساسا. شيء تغير في داخل المغارة. كأنها تنفست بعد سبات طويل.
بدأت الجدران تتوهج.
ليس توهج نار أو شعلة بل إشراقة داخلية كأن الحجر نفسه ينبض. النقوش المحفورة تلك الخطوط القديمة والرموز المتشابكة والدوائر الحلزونية بدأت تستيقظ. كل خط اشتعل ببريق ذهبي وكل رمز أضاء كنجمة صغيرة.
انعكس الضوء على وجوه الأطفال. على عيونهم الواسعة. على شفاههم المرتعشة.
تراجعت إلينا خطوة وهي تضم ماتيو إلى صدرها بقوة.
ما هذا
لم يكن السؤال موجها لأحد. كان موجها للغيب.
ومن عمق القاعة
انبثق صوت.
غليظ.
عميق.
كأن مئات الأصوات تتنفس في وقت واحد.
لم يكن تهديدا.
لم يكن غضبا.
كان حزنا قديما.
كصلاة تقال منذ قرون.
أمي همس خوان المغارة تبكي.
نظرت إلينا إلى الأعلى.
كانت قطرات الماء تتساقط من السقف لكن الصوت لم يكن صوت ماء فقط. كان رجع أنين ممتد يتردد بين الصخور.
وعندها فهمت.
لم تكن المغارة مسحورة.
كانت مأوى.
ملجأ حفره الزمن.
مقدسا نسيه البشر.
يحرسه الجبل نفسه.
مكانا تستريح فيه أرواح عمال المناجم الذين ابتلعتهم الأرض ولم يعترف بهم يوما ولم يشيعوا كما ينبغي.
رجال دفنوا تحت الصخور
وظلت الجبال تحفظ أسماءهم في جوفها.
اقتربت إلينا من المذبح الحجري.
ركعت.
وضعت الصليب فوق قلبها.
وأغمضت عينيها.
إن كنت تسمعني يا مانويل فقد فهمت.
في تلك اللحظة
دوى صراخ عند المدخل.
هنا دخلوا!