عندما سلفني أخي الأكبر ظرفا
من نوع آخر استثمارا في رضاه وثقته وفي نفسي أيضا
في اليوم التالي حضر سامي إلى البيت دون موعد لم يأت بسيارته الفاخرة بل بسيارة عادية كأنه أراد أن يمر دون أن يراه أحد طرق الباب بعصبية وعندما فتحت له رأيت في عينيه شيئا لم أره من قبل لم يكن غضبا فقط بل خوف جلس في الصالة التي طالما تجاهلها ونظر حوله كأنه يراها للمرة الأولى
قال بصوت منخفض لم أعتده أنت تعلم أن الشركة لا يمكن أن تدار بهذه الطريقة أنت لا تملك الخبرة الكافية أجبته بهدوء أنني لا أنوي إدارة كل شيء وحدي وأن الخبرة يمكن الاستعانة بها أما الأمانة فلا تشترى ساد صمت ثقيل بيننا ثم أخرج نسخة من الشيك الذي أعطاني إياه في العزاء ووضعه على الطاولة وقال خذه ووقع لي توكيلا عاما وانته من هذا العبث
نظرت
وقف فجأة واتجه نحو الباب لكنه قبل أن يخرج توقف وقال كنت أظن أن المال هو كل شيء كنت أظن أن وجودي في الصورة يكفي لأكون الابن الأقرب لم أعلق بشيء لأن بعض الدروس لا تحتاج إلى شرح بل إلى وقت
مرت أشهر قليلة تغيرت فيها أمور كثيرة تم إعادة هيكلة الشركة بهدوء وعاد اسم أبي ليتصدر اللوحة الرئيسية في المدخل بدل اسم سامي الذي كان قد وضعه دون استشارة أحد عرضت على أخي أن يبقى مديرا تنفيذيا براتب محدد وصلاحيات واضحة دون سلطة مطلقة وافق بعد تردد طويل لأنه أدرك
لم تعد علاقتنا كما كانت لكنها لم تعد قائمة على الغرور أيضا صارت علاقة واضحة الحدود يعرف فيها كل منا مكانه الحقيقي وفي إحدى الأمسيات جاء سامي إلى البيت ومعه ابنه الصغير تركه يلعب في الحديقة بينما جلس جواري وقال بصوت هادئ لم أكن أفهم أبي كما فهمته أنت ربما كنت أراه مصدرا للقوة فقط ولم أره إنسانا يحتاج إلى من يبقى بجانبه
ابتسمت ولم أجب لأن بعض الاعترافات يكفي أنها قيلت
في تلك الليلة دخلت غرفة أبي مرة أخرى وقفت أمام صورته المعلقة على الجدار وشعرت أن البيت لم يعد حزينا كما كان وأن رسالته وصلت لم يكن يريد أن يفرق بيننا بل أن يعيد ترتيب المعنى داخلنا أن يثبت أن البر ليس عبئا وأن البقاء جوار من نحب ليس خسارة وقت بل ربح
وضعت صورة أبي في إطار جديد وأغلقت الأنوار وخرجت إلى الحديقة حيث كان ابن أخي يضحك تحت شجرة الليمون نفس الشجرة التي زرعها أبي بيديه أدركت وقتها أن الهدية الحقيقية لم تكن الشركة ولا المال بل كانت الفرصة لإصلاح ما كاد أن ينكسر بيننا
أما الشيك فقد ظل في درج مكتبي لم أصرفه يوما لأن قيمته الحقيقية لم تكن في الرقم المكتوب عليه بل في اللحظة التي رمي فيها على صدري أمام الجميع لحظة ظن فيها أخي أنه يطوي صفحة من حياتي بينما كان أبي في الحقيقة يفتح لي فصلا جديدا
وهكذا انتهت الحكاية التي بدأت بظرف سميك وانتهت بدفتر قديم وشجرة ليمون ودرس لن ينسى أن القرب أغلى من المال وأن من يخدم بمحبة لا يخسر أبدا ولو ظن الناس غير ذلك
لا تنسوا الصلاة على النبي