الصبي والحصان
لمسة لكنها كانت تعني كل شيء. وبينما كان يربت عليه شعر أليف بأن صدره يلين. أدرك أن إيمانه برعدحتى إن لم يلتفت إليه أحديتجاوز الكلمات. كان وعدا صامتا. أمضى بعد ذلك العصر هناك في صمت مشترك يشعر كيف تتحول الوحدة إلى صحبة. كان العالم الخارجي يتلاشى ولا يبقى سوى هما موصولين بخيط غير مرئي. وحين مالت الشمس إلى الغروب عاد إلى الكوخ وعزمه يرتجف في صوته.
لقد فهم أن التوسل لا يكفي وأن عليه أن يثبت بالأفعال. فتش بين أشيائه القليلة فوجد قطعا من حبل وبطانية قديمة وعلبتين فارغتين ما يكفي ليبدأ. كانت خطته بسيطة كل صباح قبل أن يطأ أول عامل الساحة سيحمل الطعام والماء وسيعزز مخبأه بجوار الحظيرة وحين يستطيع سيصنع فراشا من أغصان صغيرة ليرتاح الحصان أفضل. كانت خطة هشة لكنها خطته. تلك الليلة بينما كانت المزرعة نائمة جلس أليف تحت الشجرة العتيقة يرسم في ذهنه خطواته خطوة خطوة.
نظر إلى السماء المرصعة بالنجوم ووعد رعدا بصوت منخفض سأنقذك مهما كلفني الأمر. كان يشعر أن صوته في ذلك الصمت يكفي. كان يعلم أنه ليس وحده وإن أنكر العالم ذلك. حقا. ظهرت القمر شاحبة حين خرج أليف من ركنه وبيده قبضة من أعشاب يابسة جمعها من أرض مهجورة مجاورة. كان قد مشى قرابة أربع شوارع دون أن يراه أحد متجنبا الكلاب والبرك مدفوعا بإلحاح تهدئة ألم رعد.
في ذلك الصباح كان الحصان يعرج أشد من المعتاد وكان الجرح يرشح سائلا أخضر ذا رائحة حامضة. عرف أليف أن الأمر مسألة ساعات قبل أن تسوء العدوى فارتجل مزيجا من ماء دافئ وإكليل الجبل والأوكالبتوس وأوراق الفصفصة المهروسة بحجر أملس كان يحتفظ به كتعويذة. وصل إلى الحظيرة قبل انبلاج الفجر بقليل. كان الهواء تفوح منه رائحة التراب الرطب وصوت صرصور وحيد يرافق خطواته.
كان رعد واقفا يرتكز على ساقه السليمة ورأسه منكسا وعيناه لامعتين. ما إن رآه أليف حتى شعر بعقدة في حلقه وارتجفت ساقاه. ومع ذلك ركع بأصابع مرتجفة وسكب المنقوع على موضع الكسر المؤلم حتى أطلق الحصان نفخة عميقة. همس أليف آسف سامحني لأنني لم أحضر لك من قبل شيئا أفضل. ومن مخبئه كان المراقب يراقب في صمت يقيم الأمر بازدراء. لم يلتفت الطفل إلى هناك بل أخرج خرقة قديمة وراح ينظف الجرح بحذر.
كانت يداه تؤلمانه من برودة السائل ومن تكرار الفرك. ارتجف رعد لكنه لم يسحب ساقه. وبثبات رسم أليف دائرة حول المنطقة المصابة كأنه يضع حدا غير مرئي يريد به إيقاف تمدد الشر. ثم همس بما هو أخفض كسر بينهما أعدك أنك ستشفى حتى لو أراد العالم أن يمزقك سأعيد بناءك. رفع الحصان رأسه ونظر إليه. لم يكن في عينيه خوف بل حزن يطلب مواساة.
مد أليف يده وربت عليه للمرة الأولى بثقة كاملة متتبعا أثر ندبة قديمة. خفض رعد أذنيه وأطلق صهيلا خافتا ثم ألقى رأسه الكبير على كتف الطفل. كانت تلك الصلة قوية إلى حد أن أليف شعر بحرارة تسري في عظامه كأن الحصان منحه نفسه. بسرعة لف قطعة قماش نظيفةمغموسة بنخالة القمححول الجرح لتمتص الرطوبة ثم أخذ البطانية التي رقعها بقطع قماش وارتجل رباطا شده برفق.
ولكي يضمن استمرار العناية وضع الزجاجة الفارغة قرب باب الحظيرة إلى جانب قطعة الخبز اليابس كرمزين لروتين يجب أن يتكرر كل يوم. قال وهو ينظر في عينيه عدني بشيء مهما حدث غدا لا تستسلم تمسك بالحياة. نفخ الحصان وأغمض جفنيه كأنه
حينئذ أدرك الطفل مدى الاستعجال. لم تعد الكلمات تكفي كان عليهما أن يتحركا معا. وفي تلك اللحظة انكسر صمت الليل بصرير خشب. تحرك باب الإسطبل. ظهر المراقب تحت ضوء القمر بعينين باردتين وقبضتين مشدودتين. زمجر كفى لعبا. عند السادسة تأتي الشاحنة. ستأتي لهذا الحيوان ولكل من يفيض. ابتلع أليف ريقه لكنه لم يتراجع. نهض ببطء وهو يمسح يديه في سرواله.
قال سأثبت لك أنه قد يستحق سترى. ضحك المراقب ساخرا ثم ابتعد وتركه وحده. شعر أليف بالدم يصعد إلى وجهه لكنه لم يتردد. عاد إلى رعد وربت عليه من جديد بقدر أكبر من الحنان. همس هذه وعود جراحنا أنا سأداويها وأنت ستصمد. سعال خفيف. أمال الحصان رأسه ونفخ كأنه يختم العهد. في تلك اللحظة فهم أليف أنه لا يقاتل قسوة الرجال وحدها بل يقاتل أيضا الخوف الذي جعله صغيرا وأنهمامن هذا الاعتناء المشتركسيصيران أقوى مما تخيلا يوما.
وبالرباط مشدودا والقلب مشتعلا عاد أليف إلى مخبئه مرة أخرى. لم يشعر في حياته بمثل هذا الإصرار ولا بمثل هذا الخوف لكن الوعد الذي قيل في العتمة وبريق تلك العينين الواسعتين سيدفعانه لتحدي أي كان كي ينقذ صديقه. في الليلة السابقة لم يكد أليف ينام. كانت رأسه ممتلئة بالصور وجه دون روكي وهو ينظر بازدراء إلى الرباط المرتجل لرعد هيئة المراقب وهو يعلن قدوم الشاحنة وضحكات العمال وهم يسخرون من الحصان.
وفي صباح ذلك اليوم حين استيقظ شعر بثقل الذنب وبإلحاح حماية صديقه الجريح. سار نحو الحظيرة بخطوات حاسمة رغم ألم ركبتيه من كثرة الاختباء. وحين وصل رأى عدة عمال مجتمعين عند الباب الخشبي. كانوا يضحكون ويشيرون إلى شيء على الأرض بين القش وروث حديث. كان كلب الحراسة ترينودو يشم بتوتر. فهم أليف فورا لقد مزقوا رباط رعد ودفعوه بعصا.
كانت القماشة الممزقة والدم الطازج في الوحل شاهدين على قسوة مجانية. قال أحد الرجال وهو يركل الرباط الملطخ انظروا كم هو عديم الفائدة مجرد عبء آخر للمسلخ. ضحك الآخرون وهم يرمون الحصان بالسخرية. شعر أليف بألم حاد في صدره. اقترب ببطء دون أن ينتبهوا إليه وجمع بقايا الرباط. كانت قطع القماش مملوءة بالوحل والشر. شعر بغضب لم يعرفه من قبل.
لكنه تذكر الوعد تحت القمر مداواة الجراح والصمود معا. دوى صوت مألوف خلفه ماذا تفعل هنا أيها الصغير سأل المراقب وهو يمسك مصباحا. قلت لك لا تعد حتى يتم إنجاز العمل. استدار أليف وواجهه ووجهه مشتعل بالغضب ودموع محبوسة. قال هم مزقوا رباط رعد ليس عملي أن أنظف شرهم. عقد المراقب حاجبيه وماذا تريدني أن أفعل هذا الحصان لا ينفع. وبصق وهو يشير إلى الحظيرة. ثبت أليف نظره ينفع للحياة ينفع للنضال ينفع ليثبت أن الرحمة أقوى من السوط. سكت العمال. نبح ترينودو مرة كأنه يساند الطفل. لعن المراقب واقترب بخطوات بطيئة لقد صرت شجاعا أكثر مما ينبغي لك. فكر جيدا فالبيت الذي يطعمك يستطيع أن يطردك. شعر أليف بقشعريرة لكنه لم يتراجع. كان يمسك قطع القماش بيمينه وباليسرى لمس جرح رعد المفتوح.
قال سأصلح هذا وهو سيشفى. نظر إليه المراقب بازدراء ثم استدار على عقبيه ورحل. عاد العمال إلى أعمالهم لكن الصمت لم يعد لامبالاة بل صار هروبا. جمع أليف ما تبقى من الرباط وبدلا من أن يختبئ جلس إلى جانب الحصان وبدأ ينظف الجرح
دهن الخليط على اللحم الجريح وهو يهمهم بأغنية كانت أمه تغنيها له وهو صغير. نفخ رعد وخفض رأسه كأنه يشكر تلك اللمسة. شعر أليف بحنان عميق. كان يعلم أن هذه الأفعال الصغيرة المتكررة ستقوي ليس لحم الحصان فحسب بل إرادته الجامحة أيضا. وحين انتهى جمع أدواته المرتجلة وانسحب إلى العتمة. وفي تلك الساعات قبل الفجر كان الطفل والحصان يتنفسان معا يتشاركان نفس العناية المتبادلة.
ظل ألم قسوة الأمس خلفهما لكن ذكرى القلوب الجبانة انطبعت في عقولهم كوشم. ومع أول خيوط الصباح التي صبغت الحظيرة بذهب خفيف عاد أليف إلى رعد. كان رعد نائما في هدوء والرباط مستقرا نظيفا على جلده. ركع الطفل وهو يستعيد في ذهنه ضحكات العمال الساخرة ونظرة المراقب الباردة. شعر بالخوف لحظة ثم تذكر القوة التي كانت تولد من وعده الصامت.
بأصابع حذرة رفع القماش ورش الجرح بماء بارد ثم وضع قطرات من مرهمه المنزلي وأعاد لف المنطقة المصابة. كانت كل حركة بمثابة مداعبة وكل لمسة فعل إيمان. وحين انتهى عقد في نهاية الرباط عقدة صغيرة علامة على رابط لا يستطيع أحد كسره. همس للحيوان سنواصل القتال. وعلى الرغم من كل شيء فتح رعد عينا واحدة ونظر إليه بثبات. لم تكن تلك النظرة حيرة بل تواطؤا.
نهض أليف وربت على جانب الحصان على حرارة الجسد القوي الذي يشترك معه في المصير. خلف سياج الحظيرة كان الرجال قد بدأوا أعمالهم اليومية. صرير الخشب واحتكاك المعدن كانا يعلنان قدوم الشاحنة. ومع ذلك كان أليف يعرف أنه ما دام يبقي تلك العناية الليلية حية فلن يستطيع أحد أن ينتزع منهما الأمل.
بدأت ليلة الهروب بصمت كثيف كأنه تجمد في الهواء. استيقظ أليف قبل أن يلمع أول نجم في السماء وقلبه يخفق بعنف. كانت أنفه رطبة من الانفعال وعيناه تحترقان من السهر وظهره ممتلئا بألم بعد حمل أكياس الشوفان والبردي أياما طويلة. لكن شيئا من ذلك لم يكن مهما. كانت تلك الليلة التي سينفذ فيها أخطر خطة لديه. في مخبئه قرب الحظيرة راجع الطفل كل خطوة في ذهنه أولا فتح باب الحظيرة بحذر مستخدما الخطاف المعدني الذي وجده في الورشة. ثانيا ربط الحبل في عنق رعد دون أن يوقظ الحراس.
ثالثا قيادة الحصان عبر ممر الأشواك والحجارة إلى بوابة العربات القديمة. وأخيرا اجتياز السور الرئيسي قبل أن يطلع الفجر. كان ساذجا أن يظن أن كل شيء سيجري على نحو مثالي لكن أليف كان قد تدبر كل تفصيل. كان قد تمرن على كل حركة في رأسه مئات المرات. وبيدين مرتجفتين فتح المزلاج الخشبي الصغير المؤدي إلى الحظيرة. جعل الصرير الذي صدر منه أن يحبس أنفاسه. في الداخل كان رعد نائما واقفا والرباط محكما والساق تكاد لا تتحرك.
حين سمع الصوت خفض رأسه وحرك أذنا واحدة منتبها. أشعل أليف المصباح الصغير في لحظة وهو يخفيه خلف ظهره وهمس بصوت واهن إنها الآن يا صديقي ثق بي. أطلق الحصان صهيلا خافتا كزفرة ثم اقترب. أخرج أليف الخطاف وبدأ يدخله في القفل الصدئ. كان كل ثانية تمر عليه ثقيلة كمن ينتظر الموت. وحين شعر أخيرا بأن المزلاج قد انزلق ورضخ اجتاحه مزيج من النصر والخوف في آن واحد.
دفع الباب بحذر فصدر صرير غامق أعلن انتقال خطته إلى مرحلة لا رجعة فيها. خرج تروينو مترنحا من الحظيرة يعرج عرجا خفيفا بالكاد
نوميريس أترايس تقدم.
نعم بدا أن الحصان قد فهم. شد أليف الحبل حتى اقترب من الجلد نصف سنتيمتر فقط ثم سحب برفق. تقدم تروينو وحوافره تثير سحبا صغيرة من الغبار البطيء.
كان كل خطوة نصرا صامتا لكنها في الوقت ذاته خفقة قلب مكشوفة للخطر. سارا بمحاذاة ممر المخزن حيث بقايا القش والبرك الراكدة تشكل فخاخا خادعة. كان أليف ينحني ليتفادى العوارض المنخفضة وفي الوقت نفسه يقود الحصان بيد ثابتة حنونة. دوى صرير بعيد فأفزعه. كان ديك قد استيقظ قبل أوانه. حبس الطفل أنفاسه وألح على الصمت كأن إرادته قادرة على إيقاف الصياح.
سقط الطائر وعم العالم ظلام صوتي ارتج في أذنيه. وصلا إلى البوابة الخشبية القديمة المؤدية إلى طريق ترابي. هناك كانت الخطة بسيطة دفع الضلفة اليسرى بقوة بينما ينفذ أليف بالحبل إلى الحقل. لكن البوابة كانت متخشبة بفعل سنين الرطوبة. أسند أليف كتفيه ودفع بكل ما أوتي من قوة وهو يشعر بعظامه تكاد تتكسر. دفع تروينو من الخلف بصدره. انشقت البوابة بفرقعة جافة وسقطا معا في الجهة الأخرى بين الأعشاب والحجارة.
تلقى أليف ضربة في ركبته لكنه لم يتوقف. سرعان ما احتواهما الظلام. الآن جاء أخطر جزء عبور الحقل المفتوح والوصول إلى السور الرئيسي دون أن يراهما أحد. كانت السماء ملبدة بغيوم منخفضة والقمر بالكاد يرشد الطريق. تقدما بصمت الطفل يجر ساقه المصابة والحصان يقوده بحاسة الشم. من بعيد سمع حد صوت بشري. كان عاملان يتحدثان قرب مخزن الأدوات.
التصق أليف بالحصان وتنفس بعمق وانتظر. ابتعد الهمس وحين عاد الصمت واصلا السير. كان كل متر أبدية. كل حجر يطعن قدمي أليف. وكل شوكة تغرز في جلد الحصان تخرج منه زفيرا كاد يفضحهما. ومع ذلك تابعا معا إيقاع الأمل. عند أطراف الملكية وجدا السور المعدني السميك ذو القضبان الصدئة. هناك كانت الخطة استخدام الكماشة التي سرقها أليف من الحدادة لقطع قضيبين وفتح فجوة.
أخرج الكماشة من حقيبة بالية وبدأ القطع. كل عضة معدن بأخرى كانت ترج يديه وعرق بارد يسيل على جبينه. وقف تروينو إلى جانبه كأنه يحميه بعينين ممتلئتين تعبا وثقة. أخيرا وبعد دقائق بدت دهورا أزاح قضيبا ووسع الفتحة بما يكفي لمرور رأس الحصان. حانت لحظة الحقيقة. انزلق أليف عبر الفجوة وشعر بالسور يخدش ظهره لكنه لم يهتم.
وحين أصبح في الخارج شد الحبل بقوة فمر تروينو رغم عرجه إلى الجهة الأخرى. كانا حرين. صفعهما هواء الخارج كإعلان نصر. أمامهما امتد طريق ترابي يتلوى نحو أقرب قرية تبعد ساعات. لم تكن هناك أضواء سوى خيط شاحب من الفجر. تنفس أليف بعمق ثم التفت لينظر إلى الحظيرة المظلمة خلفه حيث كان ينام الرجال الذين كانوا سيقتلون صديقه لو لم يهربا.
شعر بالغضب والراحة معا.
هيا همس علينا أن نصل قبل شروق الشمس.
وانطلقا. كان كل وقع لحوافر تروينو صدى للحرية وكل خطوة لأليف صرخة أمل مكتومة. كانا يعلمان أن الفجر قد يفاجئهما وأن الخطر ما زال يتربص لكنهما أدركا أيضا أنه منذ تلك اللحظة لم يعد هناك رجوع. والطفل ويده على ظهر الحصان شعر بأن قلبه لم يعد يخفق خوفا بل حبا.
وهكذا في تلك الليلة من الهروب أبرما عهدا أقوى من أي خوف عهد الحرية المشتركة المؤسس على التضحية والشجاعة والرابطة