عقيد ألماني
رائع عذري تماما لم يأت أحد هنا منذ ثم توقف فجأة. فقد أضاء مصباحه شيئا لا يمكن أن ينتمي إلى كهف طبيعي شيئا معدنيا أسود مستحيلا.
سيارة مرسيدس قديمة سوداء وضخمة كانت متوقفة في عمق القاعة.
قال توماس وهو يتعرف على الطراز إنها 770K صنعت في الثلاثينيات أو أوائل الأربعينيات كانت تستخدم من كبار النازيين لكن ماذا تفعل هنا
حاولت آنا فتح باب كان مقفلا. مسحت زجاج النافذة الضبابي بكمها وألصقت وجهها بالزجاج. ما رأته جعلها تتراجع وهي تطلق شهقة فزع.
سأل فيليكس بصوت مرتجف هل يوجد أحد في الداخل قال ماتياس بسرعة جثة داخل المرسيدس على مقعد السائق كان هناك هيكل عظمي يرتدي زيا عسكريا ألمانيا. زي الفيرماخت الرمادي المخضر وقد بقيت الأوسمة ملتصقة بصدره رغم مرور العقود. وعلى مقعد الراكب كانت عشرات الدفاتر مكدسة.
وبالقرب منها قبعة ضابط قفازات جلدية وسلاح فردي في حافظة.
قال فيليكس علينا الاتصال بالشرطة. لكن لم تكن هناك إشارة هاتف في ذلك العمق. كان عليهم النزول لإبلاغ السلطات. قبل أن يغادروا صور ماتياس كل شيء بدقة السيارة من كل زاوية داخلها عبر النوافذ وما حولها. لاحظ أشياء أخرى مبعثرة مصابيح زيتية قديمة علب طعام صدئة أغطية متعفنة. كان واضحا أن أحدا عاش هنا زمنا طويلا.
تم النزول في ثلاث ساعات في صمت شبه كامل. كان كل واحد منهم غارقا في أفكاره يحاول فهم ما وجدوه نازي مختبئ في كهف منذ متى عقود على ما يبدو.
عند الساعة السابعة والنصف مساء وصلوا إلى قرية أوتشتال وأبلغوا الشرطة المحلية. كان المفتش يورغن كيلر رجلا منهجيا في الخمسين يظن أنه رأى كل شيء في حياته المهنية فاستمع إلى روايتهم بتشكك متزايد.
قال مترددا مرسيدس وهيكل عظمي بزي
في غضون ساعات أطلقت عملية واسعة. عند فجر السادس عشر من يوليو بدأ فريق من عشرين شخصاشرطة أطباء شرعيون مؤرخون عسكريون وتقنيونالصعود نحو الكهف. حملوا مولدات كشافات معدات توثيق علمية وكل شيء نقل بصعوبة عبر الطريق الوعر.
عند الساعة الثانية ظهرا بدأت الطبيبة الشرعية الرئيسية الدكتورة إليزابيث برغر فحص الرفات داخل المرسيدس بعد فتحها. عند الثالثة والنصف خرجت بتقرير أولي ذكر قوقازي عمره عند الوفاة بين تسعين ومئة عام تقريبا وفاة طبيعية على الأرجح قصور قلبي. الجثة هنا منذ نحو عشرين عاما وربما خمس وعشرين. الحفظ استثنائي بسبب الظروف البيئية.
لكن الأهم كان الهوية. في جيب الزي وجدت محفظة جلدية بداخلها بطاقة هوية عسكرية للفيرماخت محفوظة على نحو يكاد يكون معجزة.
أوبرست عقيد كلاوس ريختر مولود في 15 مارس 1903 ميونخ. الرتبة عقيد. الوحدة الفرقة 17 مشاة.
تمت مطابقة الاسم فورا مع قواعد بيانات تاريخية. كلاوس ريختر مفقود منذ 30 أبريل 1945 مطلوب للاستجواب بشأن عمليات على الجبهة الشرقية ولم يعثر عليه قط وافترضوا أنه مات أو هرب إلى أمريكا الجنوبية لكنه لم يغادر أبدا.
طوال تسعة وسبعين عاما كان مختبئا على مسافة أقل من مئة كيلومتر من مكان ولادته ثم مات هنا وحده في مرسيدسه داخل كهفه وهو يرتدي زيه. كانت القصة ستصدم العالم كله.
تلقى البروفيسور هاينريش آدلر مؤرخ متخصص في الحرب العالمية الثانية بجامعة فيينا اتصالا في 17 يوليو 2024. طلب
في غرفة مؤمنة أعدت مؤقتا داخل بلدية أوتشتال وضعت دفاتر كلاوس ريختر على طاولات طويلة 143 دفترا في المجموع. بعضها بحالة ممتازة وبعضها متعفن وهش. كلها مكتوبة بخط ألماني متصل كثيف.
بدأ آدلر القراءة مرتديا قفازات بيضاء وباستخدام عدسة مكبرة. أدرك بسرعة أنه أمام شيء غير عادي. لم تكن مجرد يوميات لنازي هارب بل وثيقة مباشرة عن الأيام الأخيرة للرايخ والأكثر إثارة للاضطراب ماذا يعني أن يعيش الإنسان مختبئا ستين عاما.
كانت الدفاتر الأولى المؤرخة في مايو 1945 تصف هروبه من برلين بتفاصيل دقيقة. دون كل مرحلة الطرق التي سلكها الدوريات التي تفاداها وصوله إلى النمسا. حتى أنه رسم خرائط بدائية.
تمتم آدلر لمساعدته ليزا ماير إنه أمر لا يصدق لقد وثق كل شيء كأنه كان يعلم أن أحدا سيقرأه يوما.
ثم غطت الدفاتر التالية عامه الأول في الكهف الوحدة البرد الخوف الدائم من أن يكتشف لكن معها شيء آخر إصرار غريب على حفظ نسخته من التاريخ.
كتب في سبتمبر 1945 ما معناه إنهم يسموننا الآن وحوشا. ربما كنا وحوشا لكننا كنا أيضا رجالا. رجالا اعتقدوا أنهم يفعلون الصواب لبلادهم. سيحكم علينا التاريخ لكن تاريخي على الأقل سيحفظ هنا بكلماتي.
لم تكن اعترافات. لم يظهر ريختر ندما حقيقيا. كان يشرح يبرر يعقلن. بالنسبة إليه كان قد أطاع الأوامر وخدم وطنه وأدى واجبه. وأن ذلك الواجب شمل فظائع لم يواجهه صراحة.
لكن دفاتر الخمسينيات والستينيات أظهرت تطورا. كانت الوحدة تغيره. بدأ يكتب مقاطع أكثر فلسفة لا يشكك فيها في أفعاله بقدر ما يشكك في معناها.
كتب في 1963 ما معناه أنا جبان ليس لأني اختبأت بل لأني لا أملك الشجاعة لمواجهة ما فعلته. أقول لنفسي إنني أحفظ كرامتي برفضي أن يحاكمني منتصرون منافقون لكن الحقيقة أنني لا أستطيع أن أنظر في عيون عائلات أولئك الذين قتلتهم.
أما دفاتر السبعينيات والثمانينيات فبدت فيها علامات انحدار نحو ما يشبه الجنون. صارت الملاحظات متقطعة ومتكررة. كان يكتب الجمل نفسها مرارا كأنها تعاويذ لا أخاف أنا حر لن يجدني أحد.
لكن آخر دفاتره في التسعينيات وبدايات الألفية أظهرت رجلا وصل إلى سلام غريب. تقبل أنه سيموت في الكهف. تقبل أن لا أحد سيبكيه. تقبل أن خلوده الوحيد سيكون في هذه الدفاتر إذا كشف عنها يوما.
كانت آخر ملاحظة بتاريخ 7 يناير 2003 ومعناها أشعر أن النهاية تقترب. رئتي لم تعودا تعملان. بالكاد أستطيع الوقوف. لكنني سأموت كما عشت هذه الستين سنة الأخيرة حرا بطريقتي. من يقرأ هذا فليعلم أنني لم أستسلم قط. لا للحلفاء ولا للسوفييت ولا للتاريخ. اخترت قدري وقبلته. كلاوس ريختر عقيد الفيرماخت حتى النهاية.
أغلق آدلر الدفتر ونزع نظارته ومسح عينيه المتعبتين. كان قد قرأ ست عشرة ساعة متواصلة. خارج الغرفة كان الليل قد هبط على أوتشتال.
سألته ليزا بهدوء ما رأيك أجاب آدلر ببطء أظن أن هذا أحد أهم وأشد الوثائق اضطرابا التي قرأتها. ليست يوميات ندم وليست تمجيدا للنازية. إنها شيء آخر شهادة رجل رفض أن يشارك في العدالة والمصالحة بعد الحرب واختار عزلة كاملة بدل المواجهة.
سألت وماذا سيحدث لهذه الدفاتر قال بثقة ستنشر لا لتمجيد ريختر بل لأن التاريخ يحتاج كل الزوايا حتى الأكثر إزعاجا. هذه الدفاتر تظهر أن النازية لم تكن شأن وحوش غير بشرية فقط بل كانت أيضا