بعد الطلاق

لمحة نيوز

طردني زوجي من منزلنا وأخذ كل ما أملك ثم سلم حياتنا بالكامل لامرأة أخرى دخلت عالمه فجأة.
لم يبق لي سوى بطاقة خصم قديمة ومهترئة كان والدي قد أعطاني إياها ذات يوم.
كنت أظن أن رصيدها صفر.
لم أكن أعلم أن تلك البطاقة نفسها ستجعل مدير البنك يتغير لون وجهه من الصدمة لاحقا.
لف حر صيف أتلانتا الخانق جسد زيليكا في اللحظة التي خرجت فيها من سيارة الأوبر. كان الهواء كثيفا ضاغطا يلتصق بجلدها وكأنه يشعر بمدى إنهاكها.
على مدى أسبوعين طويلين كانت في بلدة منسية في ريف ألاباماطرق مغبرة بيوت متداعية صمت لا يقطعه سوى صفارات سيارات الإسعاف وهمسات الدعاءتعتني بوالدتها التي كانت في حالة حرجة.
والآن أخيرا استقرت حالة والدتها.
وكانت زيليكا عائدة إلى بيتها.
أمسكت بمقبض حقيبتها الصغيرة وهي تعبر بهو مبنى ذا سوفرين الرخاميأحد أرقى المباني في باكهيد ورمز نخبة أتلانتا.
توهجت الثريات الكريستالية فوق رأسها وكان هواء التكييف باردا مهدئا مألوفا.
ابتسامة واهنة ارتسمت على شفتيها.
البيت فكرت.
العودة إلى حياتي.
العودة إلى زوجي.
انفتحت أبواب المصعد عند الطابق الثلاثين برنين خافت. خرجت زيليكا وسارت في الممر الهادئ وقد تلاشى تعبها للحظة. السجاد الفاخر كتم خطواتها وكان كل شيء تفوح منه رائحة منظفات فاخرة.
توقفت أمام الباب 30A.
شقتها البنتهاوس.
أخرجت من حقيبتها مفتاح الدخول الإلكتروني ومررته على القارئ الرقمي.
بيب. بيب.
أضاء ضوء أحمر.
قطبت جبينها.
غريب تمتمت وهي تحاول مرة أخرى. ربما تعطلت المغنطة.
بيب. بيب.
لا يزال الضوء أحمر.
تسلل قلق بطيء إلى صدرها. رنت الجرس مرة ثم مرة أخرى.
صمت.
ثمخطوات. هادئة غير متعجلة. وصوت قفل يدار من الداخل.
انفتح الباب.
كان كواسي يقف هناك.
زوجها.
لكن ليس الرجل الذي تتذكره.
كانت عيناه باردتين خاليتين من أي اعتراف. كان يرتدي رداء حريريارداءها هيوتفوح منه رائحة عطر نسائي غريب

لم تألفه يوما..
قال ببرود شبه ساخر
آه عدت باكرا.
شعرت زيليكا وكأن العالم يميل.
كواسي ارتجف صوتها. لماذا لا يعمل المفتاح
أجاب بلهجة جافة
لأنني غيرت الأقفال.
ومن داخل الشقة انطلق صوت ضحكة هادئة واثقة ضحكة شخص يشعر أن المكان أصبح لهمن الطارق إن كان مندوبا فليغادر من فضلك.
ظهرت امرأة.
شابة. جميلة. واثقة.
أنيا.
عرفتها زيليكا فوراعارضة الإنستغرام المثالية دائما الباحثة عن الأضواء. المرأة التي كانت تثير في داخلها قلقا لم تستطع تفسيره يوما.
كانت أنيا ترتدي رداء زيليكا الحريري. ذاك الذي اشترته لنفسها في ذكرى زواجهما العام الماضي.
تفرست أنيا في زيليكا ببطءملابس سفر مجعدة وجه متعب حقيبة رخيصة.
قالت بابتسامة ساخرة
أوه ليس مندوبا إذن. تبدو كأنها الزوجة السابقة.
زوجة سابقة.
مزقت الكلمة صدر زيليكا.
كواسي ما هذا همست. من هذه لماذا هي في بيتنا ولماذا ترتدي ملابسي
تنهد كواسي بانزعاج وكأنها عبء.
انتهى الأمر يا زيليكا قال. دعينا نتحدث في الأسفل. لا تصنعي مشهدا.
خرج إلى الممر وأغلق الباب خلفه مقفلا أنيا بأمان في الداخل.
تبعته زيليكا إلى المصعد بصمت عقلها فارغ جسدها مخدر. كانت رائحة عطر أنيا الفاخر لا تزال عالقة بردائه فحركت معدتها غثيانا.
انفتح المصعد على بهو المبنى المزدحم. مر الناس من حولهما وبعضهم ألقى نظرات متوجسة.
قادها كواسي إلى زاوية هادئة قرب النوافذ الزجاجية المطلة على شارع بيتشتري.
قالت بصوت متماسك بالكاد
اشرح.
ماذا أشرح رد ببرود. انتهينا.
انتهينا انحبس نفسها. بعد عشر سنوات بعد أن اعتنيت بأمك حين أصيبت بالجلطة بعد أن بنينا كل شيء معا من الصفر
ضحك ضحكة قصيرة قاسية.
بنينا معا لا تضحكي على نفسك. أنا ناجح بفضلي. أنت مجرد عبء.
حدقت فيه.
ذهبت لرعاية أمك تابع بعينين ضيقتين. ونسيت واجباتك كزوجة.
واجباتي
نعم. انظري إلى نفسك.
أشار إليها بازدراء.
مهملة. مرهقة. أنا مطور عقاري
كبير. أحتاج شريكة بمستواي لا ربة منزل مستهلكة.
شعرت زيليكا كأن غريبا يتكلم من خلال وجه زوجها.
إذا أنيا هذا مستمر منذ فترة همست.
منذ عام قال بلا تردد. هي تفهمني.
في تلك اللحظة اقترب حارس أمن يحمل حقيبة قديمة مهترئة.
عرفتها زيليكا فورا.
الحقيبة نفسها التي استخدمتها حين انتقلا إلى أتلانتا لأول مرةحين لم يكن لديهما سوى الأحلام.
قال الحارس بصوت منخفض
سيدي طلب مني السيد كواسي إحضار هذا.
سلم كواسي الحقيبة إلى زيليكا.
هذا كل ما تحتاجينه. خذيه واذهبي.
وفي لحظة واحدة انهارت حياتها.
لكن ما لم يكن كواسي يعرفه
أن الشيء الوحيد الذي لم يأخذه منها
هو نفسه الشيء الذي سيدمره.
بطاقة الخصم البالية التي تركها والدها.
والرصيد الذي ظنه صفرا.
ألقى كواسي الحقيبة عند قدميها. تناثرت بعض الملابس القديمة ومحفظة.
هذه أغراضك. الباقي رميته قال.
ثم ألقى ظرفا بنيا فوق الحقيبة.
هذه أوراق الطلاق. وقعتها بالفعل. داخلها تسوية. كل الأصولالشقة السيارات الشركةكلها باسمي. دخلت هذا الزواج بلا شيء وتخرجين بلا شيء.
انهمرت دموع زيليكا. لم يكن إذلالا فقط. كان محوا كاملا.
لا يمكنك فعل هذا
بلى. وقد فعلت.
نظر إليها بعينين جليديتين.
وقعي الأوراق. وإن أحسنت التصرف ولم تطالبي بشيء ربما أكون كريما وأعطيك ثمن تذكرة حافلة إلى بلدتك الصغيرة في ألاباما.
بدأ الهمس في البهو. شعرت زيليكا بأنها عارية.
اخرجي صاح.
لكن هذا بيتي أيضا.
لم يعد كذلك.
الأمن!
اقترب حارسان وأمسكا بذراعها.
نعتذر سيدتي لا تصنعي مشكلة.
سحبت بالقوة. نظرت إليه متوسلة.
كواسي أرجوك.
لم يرد. استدار واتجه إلى المصعد.
ومن الأعلى عند درابزين الطابق النصفي رأت ظل أنيا تراقب انتصارها.
أغلق الباب الزجاجي الثقيل خلف زيليكا وألقي بها على الرصيف المزدحم تحت سماء أتلانتا الداكنة ومعها حقيبة قديمة وأوراق طلاق مهينة.
حل الليل سريعا. كانت الأضواء تشتعل لكن عالمها
غارق في الظلام.
سارت بلا هدف حتى جلست في متنزه سنتينيال. كان بطنها يقرقر. لم تأكل منذ الصباح.
فتحت المحفظة. عشرة دولارات فقط.
هاتفها على 5.
دخلت تطبيق البنك للحساب المشترك. الرصيد صفر.
كان كواسي قد جردها من كل شيء.
ثم رأت الصورة القديمة لوالدها تنداي أوكافور.
وخلفها بطاقة خصم زرقاء باهتة.
تذكرت صوته
احتفظي بها. هذا مرساة.
في الصباح وقفت أمام بنك هيريتج ترست أوف ذا ساوث.
وحين أدخل الموظف البيانات
شحب وجهه.
ثم شحب وجه المدير.
لم يكن حسابا.
كان شركة.
أرضا.
إرثا.
مرساة تحولت إلى مملكة.
كانت المرساة قد ألقيت. والآن ستبحر.
لم تمكث زيليكا في الفندق الذي حجزه لها السيد زوبيري. كانت تلك أول خطوة لهاألا تكون متوقعة.
بعد أن سحبت مبلغا معتبرا من المال نقدا مبلغا كان سيجعلها تشعر بالدوار لو كان بالأمس اشترت هاتفا جديدا ورقما جديدا وعدة أطقم من الملابس البسيطة ولكن النظيفة من مركز تجاري قريب. ثم حجزت غرفة في فندق ذا سانت ريجيس أحد أفخم فنادق أتلانتا باسم مستعار.
لمدة أربع وعشرين ساعة أغلقت على نفسها باب الغرفة. طلبت خدمة الغرف وتناولت أول وجبة محترمة منذ زمن واستحمت بماء ساخن ثم نامت. تركت عقلها يستوعب الهدم والولادة من جديد خلال يوم واحد.
في صباح اليوم التالي لم تتصل بسيكو. كانت تعرف أن شخصا مثله لن يتأثر باتصال هاتفي.
بدلا من ذلك ذهبت زيليكا إلى الحي المالي في ميدتاون.
كان مكتب سيكو في إحدى ناطحات السحاببسيطا باردا كله زجاج وفولاذ. زيليكا بملابسها الجديدة البسيطة ولكن المرتبة بدت وكأنها نقطة مختلفة داخل هذا العالم.
قالت لموظفة الاستقبال
أريد مقابلة السيد سيكو. ليس لدي موعد.
ردت الموظفة بلباقة جامدة
السيد سيكو مشغول يا سيدتي. جدول مواعيده ممتلئ للشهرين القادمين.
قالت زيليكا بهدوء
قولي له زيليكا أوكافور مالكة شركة أوكافور ليغاسي هولدنغز ذ م.م أصولها ألفا فدان. الأمر عاجل.

ترددت الموظفة لكن عبارة ألفا فدان جعلتها ترفع السماعة.
بعد خمس دقائق أدخلت زيليكا إلى مكتب زاوية يطل على أتلانتا كلها.
كان سيكو رجلا
 

تم نسخ الرابط