طفلة في الثامنه من عمرها

لمحة نيوز


إلى ذاكرته الأولى.
ربما تتذكر حين كنت طفلا
قالها بصوت مكسور.
أمسك يدي بقوة وكأنه يتشبث بالواقع.
إنه ذنبي. غرقت في العمل
وتوقف قليلا قبل أن يكمل
ولم أنتبه إلى أن أمي كانت تفقد نفسها قطعة قطعة.
منذ ذلك اليوم تغير كل شيء.
لم يكن التغيير صاخبا ولا مفاجئا ولا معلنا كما في القصص الكبيرة.
كان تغييرا هادئا يتسلل إلى تفاصيل البيت الصغيرة
إلى طريقة النوم
إلى نبرة الأصوات
إلى شكل الصمت في الممرات ليلا.
صارت صوفيا تنام معنا بهدوء تام دون خوف ودون تلك الأسئلة الصغيرة التي كانت تقلقها عن ضيق السرير. لم تعد تستيقظ فزعة في منتصف الليل ولم تعد تتقلب كمن يبحث عن مساحة ينجو بها.
كان النوم يعود إليها طبيعيا بسيطا عميقا كما يجب أن يكون نوم طفل يشعر بأن العالم حوله آمن وأن أحدا ما يسهر ليحميه حتى وهو نائم.
كانت أنفاسها المنتظمة ليلا أول دليل لنا على أننا اتخذنا القرار الصحيح.
وأما دونيا كارمن
فلم نلمها.
لم نغضب منها.
لم نفتش عن خطأ نعلقه في رقبتها لنشعر بأن الأمور ما زالت تحت سيطرتنا.
بل على العكس تماما أحببناها

أكثر.
أحببناها لأننا أدركنا متأخرين قليلا أن ما فعلته لم يكن اعتداء ولا تجاوزا للحدود ولا فعلا مقصودا نابعا من وعي كامل.
كان عودة لا واعية إلى دور عاشت فيه عمرها كله دور لم تعرف غيره يوما ولم تتعلم سواه
دور الأم التي تنام قرب طفلها تحرس أنفاسه وتطمئن لوجوده إلى جوارها قبل أن تغمض عينيها.
كانت ذاكرتها تتفكك نعم
تتبعثر وتختلط فيها الأزمنة والأسماء والوجوه.
لكن قلبها ذلك القلب الذي أحب بلا شروط كان لا يزال يتذكر.
يتذكر الإحساس وإن نسي التفاصيل.
في تلك الليلة الطويلة جلسنا معا أنا ولويس لا لنتبادل اللوم ولا لنحصي أخطاء الماضي بل لنتبادل الفهم.
تحدثنا بهدوء بصوت منخفض وكأننا نخشى أن نوقظ البيت كله.
كأننا نعيد ترتيب بيت داخلي في صدورنا قبل أن نرتب الغرف والجدران.
كان الحديث مؤلما صادقا ومحررا في آن واحد.
واتخذنا قرارات بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في معناها بلا توتر وبلا شعور بالذنب
أن نغلق باب غرفة صوفيا ليلا بعناية لا كحاجز يفصل بل كحماية ناعمة.
وأن نضع حساسات حركة في أنحاء المنزل لا خوفا بل احتياطا
ورحمة.
والأهم من كل ذلك ألا نترك دونيا كارمن تنام وحدها مرة أخرى مهما بدت الأمور مستقرة.
نقلناها إلى غرفة أقرب إلينا.
غرفة يدخلها الضوء في الصباح بهدوء
وتسمع فيها الأصوات المألوفة
وتشعر فيها أنها ليست منسية في طرف البيت ولا موضوعة على الهامش.
غرفة لا تشبه مستشفى
ولا تحمل رائحة العزلة
بل تشبه بيتا عاد إليه الدفء بعد غياب طويل.
ومنذ ذلك اليوم تغيرت ليالي البيت.
لم تعد الليالي ثقيلة ولا مليئة بالترقب.
صار الليل وقتا أهدأ أبطأ وأكثر إنسانية.
كل ليلة أجلس إلى جوارها.
أمسك يدها التي صارت أكثر هشاشة لكنها لا تزال دافئة
كأن الدفء هو آخر ما يتمسك به الجسد حين يبدأ كل شيء آخر في الرحيل.
أحدثها عن يومها
عن الطقس
عن صوفيا وما قالته في المدرسة
عن أشياء صغيرة قد لا تتذكرها غدا
لكنها تشعر بها الآن وهذا يكفي.
أستمع إلى ذكرياتها حتى تلك التي تتكرر بالحرف نفسه
وأدعها تحكي القصة نفسها مرارا وتكرارا
دون تصحيح
دون استعجال
ودون محاولة قاسية لإعادتها إلى زمن لم يعد موجودا لها.
لأنها لم تعد بحاجة إلى الحقيقة بقدر حاجتها
إلى الطمأنينة.
والطمأنينة أحيانا أهم من الذاكرة نفسها.
أساعدها على الشعور بالأمان
ذلك الأمان الذي صنعته يوما بيديها لغيرها
حين كانت تسهر وتتعب وتضحي دون أن يراها أحد.
وآن الأوان الآن أن يعود إليها ولو متأخرا.
لأن كبار السن أحيانا لا يحتاجون إلى دواء
ولا إلى تشخيص طويل
ولا إلى كلمات كبيرة تقال في غرف بيضاء باردة.
إنما يحتاجون فقط إلى أن يشعروا أن لهم مكانا
وأن هناك من ينتظرهم
وأن هناك عائلة يعودون إليها كل مساء
وأن الحبحتى لو خانتهم الذاكرةلم ينسهم ولم يتركهم خلفه.
لم يكن سرير ابنتي ضيقا قط.
الحقيقة أن
امرأة مسنةوحيدة تائهة بين ذكرياتها
كانت تبحث فقط عن دفء طفلة
عن نفس هادئ يجاورها في الليل
عن شعور قديم بالأمان كانت هي نفسها من منحته يوما لغيرها دون أن تفكر ودون أن تنتظر شكرا.
كانت تبحث عن الحب
ذلك الحب ذاته الذي أعطته طوال حياتها بلا حساب
بلا شروط
وبلا انتظار مقابل.
واليوم حين أراها تغفو بهدوء ويدها في يدي
أدرك شيئا واحدا بوضوح لا يقبل الشك
بعض الناس لا يضيعون
إنما يتعبون.
وينسون الطريق.
ويحتاجون
فقط إلى يد تمسك بهم في العتمة
وتقول لهم ولو بصمت دافئ
أنت ما زلت في بيتك.

 

تم نسخ الرابط