مش عياط فراق، عياط واحد اكتشف إن كل اللي عاشه كان تمثيلية متقنة. فضلت أيام ما بروحش الشغل، التليفون بيرن وأنا سايبه، صحابي يحاولوا يكلموني وأنا مش قادر أشرح، لأن إزاي أشرح إن مراتي ماتت مرتين، مرة في الحادثة اللي ما حصلتش، ومرة في اللحظة اللي شفتها فيها عايشة ومشيت من غير ما تبص وراها. بس أكتر حاجة كانت قاتلاني مش هي، ولا أمها، كان الطفل، ابني، كل ما أغمض عيني أشوفه ماسك إيدها، نفس العيون، نفس الملامح، وأفتكر إن في سنين راحت من عمره وأنا مش جنبه، سنين كان ممكن أنام جنبه، أسمعه يقول بابا، وأنا كنت فاكر نفسي أرمل وقلبي مقفول. بعد أسبوع قررت ما أهربش، رحت لمحامي، حكيتله كل حاجة، ما صدقنيش في الأول، بس لما وريته التحويلات، والتقارير القديمة، وشهادة الجيران، وشهادة الشاب اللي اشترى البيت، وشهادة الست اللي قالت إن مارينا رجعت بعد العزا، سكت وبصلي وقاللي بهدوء يخوّف إن اللي حصل ده نصب واحتيال وتزوير وخطف طفل كمان، وإن حقي مش بس
فلوس، حقي عمر. رفعت قضية، مش بدافع الانتقام، بس بدافع إني أسترد نفسي، استدعوا دونيا كلارا، دخلت المحكمة بنفس الوش المكسور اللي شوفته في العزا، نفس التمثيل، بس المرة دي ما عيطتش، عينيها كانت فاضية، ولما القاضي واجهها بالأدلة، انهارت واعترفت، قالت إن مارينا كانت حامل وقت الحادثة، وإنها كانت عايزة تهرب، وإنهم استغلوا إن العربية اتحرقت فعلًا وفيها واحدة تانية ماتت، وإنهم بدّلوا الأوراق، وإن الفلوس اللي كنت ببعتها كانت أمان ليهم، كانت ثمن السكوت من غير ما أعرف. مارينا دخلت المحكمة بعدها، لابسة شيك، راسها مرفوعة، بس أول ما عيني جات في عينها، راسها نزلت، ما كانتش قوية زي ما تخيلت، كانت واحدة هربانة من نفسها، القاضي حكم بالحضانة المشتركة مؤقتًا لحد ما يتثبت النسب، تحليل الـDNA طلع في صالح الحقيقة اللي قلبي كان عارفها، الطفل ابني، ولما شوفته أول مرة قريب، لما قعد جنبي وبصلي وابتسم من غير ما يعرف أنا مين، قلبي داب، حسيت إني اتولدت من جديد، بدأت
آخده في الويك إند، أتعلم أكون أب من الصفر، أغلط وأصلّح، أضحك وأعيط، أسمع كلمة بابا لأول مرة متأخرة، بس حقيقية. مارينا حاولت ترجع تتكلم، تحكي مبررات، تقول إنها كانت مخنوقة، إنها خافت، إنها ما كانتش فاكرة إن الموضوع هيكبر كده، وأنا كنت بسمع من غير ما أرد، لأن في لحظة معينة الإنسان ما بيبقاش محتاج إجابة، بيبقى محتاج يقفل الباب. المحكمة حكمت برد جزء من الفلوس، بس مش ده اللي فرق معايا، اللي فرق إني وقفت التحويلات، وقفت النزيف، وبدأت أستثمر الفلوس دي في حاجة حقيقية، في ابني، في علاجه، في تعليمه، وفي نفسي كمان، رحت علاج نفسي لأول مرة، واتعلمت إن الحزن اللي ما بيتعالجش بيتحول لعمى، وإن الحب اللي من غير وعي ممكن يخلّي الواحد يعيش مخدوع سنين وهو فاكر نفسه وفيّ. بعد سنة، دونيا كلارا ماتت، موت عادي المرة دي، من غير تمثيل، وما رحتش العزا، مش كره، بس فراغ، مارينا سافرت بلد تانية، وأنا فضلت هنا، بشتغل، برجع البيت، ألاقي ابني مستنيني، البيت اللي كان ساكت
بقى فيه صوت، ضحك، لعب، حياة، ومع الوقت، لما الإشعار ييجي أول الشهر، وما يبقاش فيه تحويل، ما حسش بالذنب، حس بالتحرر، حس إني أخيرًا بطلت أعيش على ذكرى مزيفة، وبقيت أعيش حقيقة موجعة بس صادقة، ومع كل ليلة بنام فيها وأنا مطمن، بفهم إن بعض الناس ما بيموتوش في الحوادث… بعضهم بيموتوا لما الحقيقة تطلع.
وفي الآخر فهمت إن الموت مش دايمًا هو أقسى حاجة ممكن تحصل للإنسان، أوقات الحقيقة هي اللي بتوجع أكتر، بس في نفس الوقت هي الحاجة الوحيدة اللي بتفوقك، سنين كنت فاكر نفسي وفيّ وبضحي وبحب، وكنت في الحقيقة بدفع تمن كذبة اتلبست صح، ولما الكذبة وقعت، وقعت معاها نسخة ضعيفة مني، واتولد واحد جديد، واحد اتعلم إن الحب من غير صدق عبء، وإن الوفا من غير وعي استنزاف، وإن اللي يمشي من حياته باختياره ما ينفعش يعيش جواه بذكراه، ودلوقتي وأنا ببص لابني وهو نايم في أمان، عرفت إن ربنا ما ضيعش وجعي، هو بس كان بيجهزني لحقيقة أنضف، وحياة أصدق، وقلب ما بيدفعش تاني غير للي يستاهل.