مرات ابني طردتني من البيت قالتلي ببرود خلاص القرار اتاخد يا حاج حسن. امشي

لمحة نيوز

ضحكت وقالت: “وجودك.. أنت مشكلتك إنك موجود. البيت ده ضيق، تلات أوض بس. محمود محتاج مكتب يشتغل فيه من البيت ويعمل فلوس بجد.. فلوس عشان مستقبل عيالنا، مش عشان نئوي راجل عجوز ملوش فايدة.”

الكلام كان بيحرق في قلبي، بس متفاجئتش. ياما ناس بتبين حقيقتها الوسخة بس لما يضمنوا إنك تحت رحمتهم.

قولت: “أنا فهمت.”

ردي ده قلقها شوية: “كده بس؟ يعني فهمت؟”

قلت: “أيوه. أنتي عايزاني أمشي.. وأنا همشي.”

ضمت شفايفها بانتصار: “حلو أوي. قدامك لبكرة.”

سألتها: “بكرة؟ أنا محتاج أسبوع على الأقل أشوفلي مكان.”

ردت بقسوة: “مايخصنيش. بكرة.. وإلا هطلبلك النجدة وأقول إنك هددتني. وتفتكر بقى هيصدقوا مين؟ راجل عجوز مخرف.. ولا أنا؟”

ساعتها حسيت بحاجة اتغيرت جوايا. مش غضب.. لأ، دي كانت لحظة وضوح غريبة.

قولتلها بصوت هادي: “كنت بس بفكر.. إن في هدية هتوصلك لحد باب البيت بكرة.”

كشرت وقالت: “هدية؟ أنت اتجننت يا راجل أنت؟”

قلت: “هتشوفي.. حاجة مخصوصة.”

مصمصت شفايفها وقالت كلمة في سرها عن إن عقلي فوت خلاص، وسابتني وخرجت

ورزعت رجلها بالكعب العالي على الأرضية الخشب اللي أنا مسمرها وملمعها بإيدي السنة اللي فاتت.

قعدت على طرف السرير الضيق. الأوضة دي كانت ملجأي من يوم ما مراتي “زينب” ماتت ومحمود صمم إني أنقل معاهم.

“مينفعش تعيش لوحدك يا بابا.. إحنا عيلة.”

عيلة.. كلمة بتحسسك بالأمان.. لحد ما تكتشف إنها وهم.

طلعت تليفوني القديم وطلبت رقم كنت شايله من شهور.

“ألو.. أستاذ (فتحي) المحامي؟ أنا حسين.. والد محمود. آن الأوان ننفذ الخطة.”

كل حاجة كانت جاهزة.

في الليلة دي، لميت شقا عمري. هدومي، العدة، الكتب، وصور الحاجة زينب. عمر بحاله اختصرته في شنطتين وتلات كراتين.

محمود رجع البيت الساعة سبعة. حتى مخبطش عليا. سمعت صوت ضحك في المطبخ، وصوت كاسات بتخبط. شكلهم بيحتفلوا.

الساعة 8، حفيدي “يوسف” خبط على بابي براحة.

همسلي: “جدو.. ماما بتقول إنك ماشي.”

قلتله: “أيوه يا حبيبي.. جه الوقت إني أشوف بيتي الخاص.”

عنيه اتملت دموع: “هو أنا عملت حاجة غلط؟”

قلبي انشرخ نصين: “لا يا بطل.. الموضوع ملوش أي علاقة بيك.”

“هشفوك

تاني؟”

كدبت عليه وقلت: “طبعاً”.. وأنا عارف إن نهى هتعمل المستحيل عشان ده مايحصلش.

تاني يوم الصبح، عربية نقل صغيرة جت. كنت أجرت “ستوديو” تحت السلم في منطقة شعبية ورطوبتها عالية.. إيجاره كان ياكل كل المعاش يادوب.

نهى كانت واقفة تتفرج باستمتاع وهما بيشيلوا حاجتي.

محمود ظهر فجأة وقال ببرود: “يا بابا.. ده لمصلحتنا كلنا.”

سألته: “مصلحة مين بالظبط؟”

مردش.

وأنا راكب التاكسي وماشي، بصيت ورايا مرة أخيرة.. نهى كانت بتبتسم.

شقتي الجديدة كانت ريحتها كمكمة ووحدة.. بس كانت “ملكي”.

الساعة 2 الضهر، تليفوني رن.

المحامي فتحي قال: “الجواب وصل يا حاج.. وتم التوقيع بالاستلام من المدعوة نهى.”

قلتله: “نفذ الإجراءات.”

الساعة 2:47 دقيقة، تليفوني انفجر مكالمات. مردتش على ولا مكالمة.

الساعة 3، سمعت أول رسالة صوتية.. نهى كانت بتصرخ وبتصوت.

على الساعة 5، رديت على محمود.

صرخ فيا: “إيه الورق ده؟ يعني إيه عقد ملكية البيت باسمك؟ يعني إيه بتبعتلنا إنذار بالطرد؟”

رديت بكل برود: “أيوة.. الورق سليم.”

“أنت

اشتريت البيت؟”

“من أربع سنين.. بفلوس مكافأة نهاية الخدمة وتأمين والدتك الله يرحمها.. 180 ألف جنيه أنتوا مكنتوش تعرفوا عنهم حاجة لأنكم عمركم ما كلفتوا خاطركم تسألوا.”
سكت ومقدرش ينطق.

كملت كلامي: “أنا أجرتلكم البيت بعقد إيجار قديم صوري وبسعر رمزي عشان أحمي نفسي من غدر الزمن.”

“دي ندالة وتلاعب!”

“لا يا محمود.. الندالة هي إنك ترمي أبوك العجوز في الشارع وتديله مهلة يوم واحد. اللي أنا عملته ده اسمه (بعد نظر).”

“أنت هتطردنا؟”

“قدامكم 30 يوم.. يعني 30 ضعف المهلة والرحمة اللي أنتوا اظهرتوها ليا.”

نهى جتلي بعد خمس أيام، منهارة ومكسورة.

“إحنا آسفين.. أرجوك.”

فكرتها بكلامها: “أنتي قولتيلي (موت في الشارع).”

الكلمة ليها تمن يا بنتي.

نقلوا وسابوا البيت بعد أسبوعين.

أنا بعت البيت بسعر رخيص وخلصت منه. اتبرعت بجزء كبير من الفلوس لدار رعاية مسنين، وعملت وديعة بنكية لأحفادي.. بس بشروط وصاية مشددة عشان محدش يقربلها غيرهم.

ساعات بسأل نفسي.. هو أنا قسيت عليهم؟

بس برجع أفتكر كلمتها وكسرة نفسي.

وأعرف إني مكنتش قاسي.

لأن العيلة مش مجرد دم وقرابة.

العيلة (احترام).

والاحترام لما بيتكسر.. تصليحه غالي أوي.

 

تم نسخ الرابط