مرات ابني طردتني من البيت قالتلي ببرود خلاص القرار اتاخد يا حاج حسن. امشي
مرات ابني طردتني من البيت قالتلي ببرود: “خلاص القرار اتاخد يا حاج حسن. امشي. سيب البيت. إن شاء الله حتى تمـ.ـوت في الشارع.. بس مش هتقعد في بيتي يوم كمان. بيتي أنا. مش بيتنا، ولا حتى بيت أحمد جوزي.. ده بيتي أنا.” بصتلها بكل هدوء وقولتلها: ” هتدفعي تمن الكلام دة غالي اوي .”
كلمات مرات ابني نزلت عليا زي الطوب . “سها” كانت واقفة عند باب الأوضة الصغيرة اللي كانت أوضتي بقالها تلات سنين، مربعة إيدها ووشها مليان قرف وغضب
قالتلي ببرود: “خلاص القرار اتاخد يا حاج حسن. امشي. سيب البيت. إن شاء الله حتى تموت في الشارع.. بس مش هتقعد في بيتي يوم كمان. بيتي أنا. مش بيتنا، ولا حتى بيت أحمد جوزي.. ده بيتي أنا.”
وفي لحظة، تلات سنين من عمري اتمسحوا كأنهم ماكانوش.
تلات سنين بساعد في دفع الفواتير بمعاشي القليل.
تلات سنين بجيب أحفادي من المدرسة، وأأكلهم، وأخلي بالي منهم.
تلات سنين بصلح بإيدي كل مفصلة مكسورة، وكل ماسورة بتسرب، وكل حتة خشب بايظة في العفش .
كل ده ملوش أي لازمة دلوقتي.
أنا عندي 74 سنة. نجار متقاعد.
صوابع إيدي اتعوجت من الرطوبة وتعب الشغل، وضهري انحنى ومابقاش يتفرد بعد 50 سنة من الشقا الحلال. ودلوقتي مرات ابني – الست اللي أعرفها بقالي يدوب خمس سنين من يوم ما اتجوزت ابني “أحمد” – بترمينى برة كأني كيس زبـ.ـالة.
قولتلها
ردت بحدة: “موافق طبعاً. إحنا اتكلمنا امبارح. إحنا خلاص زهقنا من خدمة راجل عجوز مش بيجيب غير وجع الدماغ والمشاكل.”
سألتها: “مشاكل؟ مشاكل إيه اللي أنا عملتها؟”
ضحكت باستهزاء وقالت: “وجودك.. وجودك هو المشكلة. البيت ضيق، تلات أوض بس. محتاجين الأوضة دي عشان أحمد يعملها مكتب ويشتغل من البيت ويجيب فلوس أكتر.. فلوس عشان عيالنا، مش عشان نصرف على راجل عجوز ملوش فايدة.”
كلامها دبحني.
ورغم كده، رديت عليها بهدوء: “أنا عشت في الدنيا دي بما فيه الكفاية عشان أعرف إن الناس بتبين معدنها وحقيقتها لما يفتكروا إنهم ملكوا رقبتك.. أنا فهمت خلاص.”
رمشت بعينها باستغراب وقالت: “كده بس؟ يعني فهمت؟”
قلت: “أيوه. أنتي عايزاني أمشي.. وأنا همشي.”
قالت: “حلو أوي. قدامك لبكرة.”
قلت لها: “بكرة؟ أنا محتاج أسبوع على الأقل عشان ألاقي مكان تاني.”
ردت بقسوة: “مايخصنيش. بكرة.. وإلا هطلبلك البوليس وأقول إنك هددتني. ونشوف بقى هيصدقوا مين.. راجل عجوز مخرف ولا هيصدقوني أنا.”
ساعتها حسيت بحاجة اتغيرت جوايا.
هي لاحظت ده، ورجعت لورا خطوة وقالت: “إيه؟ بتبصلي كده ليه؟”
قلت لها: “ولا حاجة.. كنت بس بفكر.. إن في هدية هتوصلك لحد باب البيت بكرة.”
ضحكت بسخرية
قلت: “هتشوفي. حاجة مميزة.. حاجة بقالي فترة بجهزها.”
هزت راسها وقالت: “أنت فعلاً كبرت وخرفت.”
لفت وشها ومشيت، وصوت كعب جزمتها كان بيخبط جامد على الأرضية الخشب اللي أنا بنفسي مصلحها السنة اللي فاتت لما كانت بتقع حتة حتة.
قعدت على السرير الصغير في الأوضة الضيقة.. نفس الأوضة اللي نمت فيها تلات سنين بعد ما مراتي توفيت، لما أحمد ابني قعد يتحايل عليا أنقل معاهم.
“يا بابا مينفعش تعيش لوحدك.”
“تعالى عيش معانا.”
“إحنا أهل.”
الأهل.. كلمة مثيرة للاهتمام أوي. بتعني حاجة مختلفة لكل واحد وعلى مزاجه.
طلعت تليفوني.. قديم ومخربش بس لسه شغال.. وطلبت رقم كنت مسجله من ست شهور، من وقت ما حسيت إن اليوم ده جاي جاي.
“أيوة يا أستاذ كمال؟ أنا حسن.. والد أحمد.
أنا محتاج أنفذ الخطة اللي اتفقنا عليها. بكرة.. أيوة كله جاهز. شكراً يا متر.”
قضيت باقي اليوم بلمّ الحاجات القليلة اللي حيلتي: هدوم، عدة النجارة القديمة، شوية كتب، وصور مراتي الله يرحمها “فاطمة”.
عمر بحاله ااختصرته في شنطتين وتلات كراتين.
أحمد رجع البيت حوالي الساعة سبعة. ماجاش حتى يبص عليا في أوضتي.
وأنا قاعد سمعت صوت ضحك في المطبخ.. وصوت كاسات بتخبط في بعض.
شكلهم كانوا بيحتفلوا
سم كلامها كان أنصح وأوجع من أي قلم ينزل على وشي.
“نهى” كانت واقفة
قالتلي ببرود: “خلاص القرار اتاخد يا حاج حسين. امشي.. سيب البيت.. انشالله حتى تموت في الشارع لو ده الحل.. بس مش هتعيش في بيتي يوم كمان. بيتي أنا. لا بيتنا ولا حتى بيت (محمود).. ده بيتي أنا.”
كلماتها مسحت تلات سنين من عمري بأستيكة كأنهم ماكانوش.
تلات سنين بساهم في مصاريف البيت من معاشي القليل. تلات سنين بجيب أحفادي من المدرسة، أطبخلهم الغدا، أصلح الأبواب المكسورة، والسباكة اللي بتخر، والبلاط السايب.. كل خرم وكل شق في الحيطان دي عدى على إيديا وصلحته.
كل ده طلع ملوش أي تلاتين لازمة دلوقتي.
أنا راجل عندي 74 سنة. نجار على المعاش. صوابع إيدي اتعوجت من الرطوبة والروماتيزم، وضهري انحنى ومبقاش يتفرد بعد خمسين سنة من شيل الخشب والعدة وتحمل المسؤولية. ودلوقتي مرات ابني – الست اللي يادوب أعرفها من خمس سنين – بترمينى برة كأني كرسي مكسور ملوش عازة.
قولتلها بهدوء، لأني في سني ده اتعلمت إن الصوت العالي عمره ما بيرجع الكرامة: “يا نهى.. هو محمود عارف بالكلام ده؟”
مترددتش لحظة: “موافق طبعاً. إحنا اتكلمنا امبارح بالليل. إحنا خلاص تعبنا من الصرف على راجل عجوز مبيجبش غير المشاكل.”
مشاكل.
بصيت في
سألتها بصوت واطي: “مشاكل إيه يا بنتي اللي أنا عملتها؟”