اختي مزقت فستان جنازتي الرخيص

لمحة نيوز

منذ اللحظة التي وقفت فيها أمام المرآة صباح ذلك اليوم وأنا أدرك أن جنازة والدي لن تمر بسلام. لم يكن ذلك حدسا غامضا بل معرفة هادئة تشبه الإحساس الذي يسبق العاصفة. ارتديت الفستان الأسود بهدوء نفس الهدوء الذي تعلمته على مدار سنوات من الصمت المتعمد. كان الفستان بسيطا في شكله خاليا من الزخارف ينحدر بخطوط نظيفة على جسدي لكنه كان مصنوعا من قماش نادر من تلك القطع التي لا تعرض في المتاجر ولا تصمم إلا بأمر خاص. ثلاثون ألف دولار في قطعة واحدة ليس لأنني أردت لفت الانتباه بل لأنني كنت أودع الرجل الوحيد الذي أحبني بلا شروط بلا مقارنات بلا احتقار. أبي.
في طريقنا إلى الكنيسة جلست أمي بجانبي صامتة تحدق من نافذة السيارة كأنها تحاول الهروب من الواقع. عرفت أنها منهكة ليس فقط من الحزن بل من سنوات قضتها توازن بين ابنتين إحداهما تصرخ دائما لترى والأخرى اختارت أن تختفي لتنجو. فيكتوريا أختي الكبرى كانت دائما الصوت الأعلى الحضور الأثقل والظل الذي حاول ابتلاع كل شيء من حوله. منذ طفولتنا قررت أنها الأفضل الأجمل الأذكى وأن دوري أنا هو أن أكون المقارنة الخاسرة التي ترفع من شأنها.
عندما دخلنا الكنيسة كان الهواء ثقيلا مشبعا برائحة

الزهور والدموع المكبوتة. جلست في الصف الأمامي قريبة من النعش قريبة من النهاية. لم أبك. لم أستطع. كان الحزن في داخلي أعمق من أن يتحول إلى دموع. وبعد دقائق فقط شعرت بها قبل أن أراها. فيكتوريا. خطواتها الواثقة كعبها العالي نظرتها التي تمسح المكان بحثا عن جمهور. توقفت أمامي لم تعزني لم تنظر إلى النعش بل نظرت إلي من أعلى رأسي حتى قدمي بتلك النظرة التي أعرفها جيدا نظرة ناقدة أزياء لا ترى إنسانا بل فرصة للسخرية.
قالت بصوت مرتفع يكفي ليخترق الصمت المقدس بجدية يا إلينا هذا ما قررت ارتداءه لم تبذلي أي مجهود الفستان يبدو رخيصا مخزيا بصراحة. شعرت بالدم يندفع إلى وجهي ليس خجلا بل غضبا مكبوتا. سمعت بعض الأنفاس المتوترة حركة غير مريحة من عماتي أمي شدت يدي دون أن تنظر إلي كأنها تتوسل إلي ألا أرد. وفيكتوريا ابتسمت. ابتسامة المنتصرة. كانت تعتقد كعادتها أنها وضعتني في مكاني أنني ما زلت الأخت الصغرى المملة عديمة الموهبة تلك التي لا تصلح لشيء سوى الوقوف في الخلف.
لكن فيكتوريا لم تكن تعرف شيئا. لم تكن تعرف أن هذا الفستان الذي مزقته بعد دقائق بيدها الغاضبة عندما ادعت أنها تعدله كان واحدا من أندر تصاميم دار H ÉLOISE. لم تكن
تعلم أنني أنا من وافقت على القماش والخطوط والتفصيلة الدقيقة عند الخصر. لم تكن تعلم أنني أنا من أسست هذه الدار منذ عشر سنوات باسم مستعار بعد أن درست وتعبت وبنيت كل شيء من الصفر بعيدا عن اسم عائلتي. لم تكن تعلم أن كل عرض مشت فيه وكل حملة تصدرت صورتها وكل عقد وقعته وكل شيك تقاضته خرج من شركتي. من قراري. من توقيعي.
طوال سنوات كنت أراقبها وهي تتباهى تتعالى على الموظفين تصرخ في المساعدين تتعامل مع المصممين كأنهم خدم. وكنت أصمت. ليس ضعفا بل صبرا. تعلمت مبكرا أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج. لكن عندما وقفت أمام نعش والدي وأهانتني في وداعه انكسر شيء بداخلي. ليس انفجارا بل قطعا نظيفا نهائيا. في تلك اللحظة أدركت أن الصمت انتهى.
ما لم تكن تعرفه فيكتوريا أنني في ذلك الصباح نفسه قبل أن أخرج من المنزل وقعت على ملف واحد فقط. ملف انتظر على مكتبي أسابيع لأنني كنت أتمنى ألا أستخدمه أبدا. كان يحمل اسمها. فيكتوريا هيل إنهاء عقد فوري. دون تبرير. دون فرصة ثانية. الشركة التي بنت شهرتها كانت قد أغلقت بابها في وجهها قبل أن تمزق فستاني بساعات.
عندما اقتربت مني مرة أخرى محاولة افتعال مشهد جديد نظرت إليها أخيرا. نظرة ثابتة
هادئة وابتسامة صغيرة محسوبة. رأيت الارتباك يمر في عينيها. لأول مرة لم تفهم ما الذي يحدث. لأول مرة شعرت أن السيطرة تفلت من يدها. لم أقل كلمة. لم أحتج. لأن الحقيقة كانت تعمل بالفعل في الخلفية بصمت قاتل.
بعد الجنازة بأيام بدأ كل شيء ينهار. عقود ألغيت. مكالمات لم ترد. دعوات سحبت. ثم وصلها البريد الرسمي. خطاب مختصر بارد موقع باسم لم تتوقعه. اسمي. الاسم الذي لم تربطه يوما بالقوة بالسلطة بالقرار. وفي تلك اللحظة فقط فهمت. لكن كان الأوان قد فات. لم أفعل ذلك بدافع الانتقام بل بدافع العدالة. لأن بعض الناس لا يتعلمون إلا عندما يفقدون كل ما اعتقدوا أنه مضمون.
ودعت والدي كما يليق به. بهدوء. بكرامة. وتركت الماضي خلفي. أما فيكتوريا فبدأت أخيرا تتعلم كيف يبدو العالم عندما لا تكون هي الصوت الأعلى فيه.
بعد سقوط فيكتوريا لم ينته كل شيء عند حدود خسارة وظيفة أو شهرة زائفة بل بدأ فصل أطول وأقسى مما تخيلت أنا نفسي. في الأيام الأولى التزمت الصمت الكامل. لم أرد على مكالماتها لم أعلق على الرسائل التي انهالت من أرقام مجهولة ولم أستخدم نفوذي لتشويه صورتها علنا. تركت الواقع يقوم بالمهمة وحده. فالفراغ الذي يبتلع الإنسان بعد فقدان
السلطة
 

تم نسخ الرابط