كان زوج أمي يضربني كل يوم كنوع من التسلية
معين لكن الحقيقة كانت مختلفة. الجسد خرج نعم لكن روحي بقيت معلقة هناك في ذلك الممر الضيق عند تلك الخطوات التي كنت أسمعها كل ليلة. في أول بيت رعاية دخلته لم أستطع النوم. السرير كان ناعما أكثر من اللازم الصمت كان مرتفعا وأي حركة مفاجئة كانت تجعل قلبي يقفز كأنه ما زال ينتظر الضربة التالية.
العائلة المؤقتة كانت لطيفة أكثر مما كنت أستطيع تحمله. كانوا يسألونني إن كنت جائعة إن كنت مرتاحة إن كنت أحتاج شيئا. أسئلة بسيطة لكنها كانت تربكني. لم أكن معتادة على أن يسأل رأيي. كنت أجيب دائما ب لا أعرف أو لا يهم. في داخلي كنت مقتنعة أن اللطف مؤقت وأن الخطأ الصغير سيعيد كل شيء إلى ما كان عليه. كنت أراقب وجوههم بحثا عن تلك الابتسامة التي تسبق الأذى لكنني لم أجدها وهذا بحد ذاته كان مخيفا.
بدأت الجلسات مع الأخصائية النفسية بعد أسابيع. في الجلسة الأولى جلست صامتة. لم أبك لم أتكلم فقط حدقت في الأرض. كانت تقول إنني بأمان وإنني أستطيع التوقف متى شئت وإن ما مررت به لم يكن خطئي. تلك الجملة الأخيرة أغضبتني. شعرت أنها كذبة مريحة. كيف لا يكون خطئي وأنا من تلقى الضرب كيف لا أكون السبب وأنا من كان
القضية استمرت طويلا. كنت أستدعى للإدلاء بشهادتي وكل مرة أرى مارك من بعيد يعود جسدي إلى تلك الطفلة الصغيرة. ركبتي ترتجفان يداي تتعرقان وصوتي يختفي. لكن في كل مرة كنت أتكلم كنت أشعر أن شيئا صغيرا يتحرر داخلي. لم أعد أتكلم فقط من أجلي بل من أجل تلك النسخة الأصغر مني التي لم يكن لها صوت. عندما صدر الحكم لم أشعر بالانتصار. شعرت بالفراغ. السجن لم يعد لي سنواتي ولم يصلح ما كسر لكنه وضع حدا لقدرته على إيذاء أي شخص آخر وهذا كان كافيا في تلك اللحظة.
أمي لم تحاول كثيرا العودة إلى حياتي. ربما لأنها لم تحتمل رؤية ما فشلت في حمايته أو ربما لأنها اختارت النسيان كوسيلة للبقاء. في البداية كنت ألوم نفسي حتى على هذا. كنت أتساءل إن كنت قد خنتها بقول الحقيقة. احتجت وقتا طويلا لأفهم أن الأمومة لا تقاس بالبقاء بل بالحماية وأن الغياب أحيانا يكون اعترافا صامتا بالذنب.
مرت السنوات. كبرت. انتقلت من بيت رعاية إلى عائلة تبنتني رسميا. لم ينادوني الفتاة المسكينة
في الجامعة درست علم النفس. لم يكن قرارا واعيا في البداية لكنه كان كأن شيئا داخلي يقودني. أردت أن أفهم لا لأبرر بل لأفكك. أردت أن أعرف كيف يصنع العنف في البيوت الصامتة وكيف يمكن للصمت أن يكون شريكا كامل الأهلية في الجريمة. في كل محاضرة كنت أرى طفولتي بين السطور لكنني لم أنهر. لأول مرة كنت أملك المسافة الكافية للنظر دون أن أضيع.
اليوم عندما أنظر في المرآة لا أرى فقط الندوب. أرى فتاة نجت امرأة تعلمت أن النجاة ليست خط النهاية بل بدايته. ما زالت هناك ليال صعبة وما زالت بعض الذكريات تظهر بلا استئذان لكنني لم أعد أهرب منها. أواجهها أضعها في مكانها الصحيح في الماضي.
قصتي لم تنته في غرفة طوارئ لكنها بدأت من هناك فعلا. بدأت عندما اختار شخص واحد أن يصدق ما رآه لا ما قيل له. عندما اختار أن يتصل. عندما كسر دائرة كاملة من الصمت. ومنذ ذلك اليوم عرفت أن الشر يعيش في الظل وأن الضوء مهما كان صغيرا قادر على
وما زال هناك الكثير بعد
بعد أن بدأت حياتي من جديد مع العائلة التي تبنتني شعرت لأول مرة منذ سنوات طويلة أن هناك مسافة بيني وبين الخطر لكن المسافة لم تمنع الصدى. كنت أسمع خطوات في الممر أثناء نومي وأستيقظ لأرى يدا على كتفي في الكوابيس شعور بالقبضة التي لم تعد موجودة إلا في ذكرياتي. أول عام كان الأصعب لم يكن لأن العائلة سيئة بل لأنني لم أعرف كيف أتعامل مع الأمان. كنت أتحرك كأن كل شيء قابل للكسر كأن كل ابتسامة كل كلمة لطف قد تخفي وراءها خنجرا أو قبضة. كنت أراقب الجميع وأنتظر أن يحدث شيء خاطئ أي شيء لأثبت لنفسي أن العالم لم يتغير. كان الأمر إرهاقا يوميا لكنه منحني شيئا لم أعرفه من قبل الحرية المؤقتة. الحرية التي يجب أن أتعلم كيف أحميها بنفسي. في المدرسة الثانوية كنت أدرس وأعمل كنت أكتب في دفتر صغير كل مشاعري التي لم أستطع التعبير عنها كل الكدمات التي لم يرها أحد كل الدموع التي أخفيتها. كنت أكتب كل التفاصيل أسماء الأماكن الأصوات أوقات الضرب كيف شعرت ما الذي أردت قوله ولم أستطع. هذا الدفتر كان ملاذي كان الحائط الذي لم يخذلني أبدا. لاحقا أصبح العلاج النفسي جزءا من حياتي