القبر الملعون
وهو صوته مبحوح
دي فلوس حرام أنا حاسس إنها تقيلة.
قرروا يرجعوا المدافن تاني يمكن بعد اللي شافوه يفهموا يعملوا إيه.
القبر كان لسه زي ما هو ساكت ثابت بس رافض.
حاولوا ينزلوا الجثمان تاني.
ولا حاجة.
في اللحظة دي الشيخ اللي كان واقف بعيد قرب وقال بهدوء
الفلوس دي لو اتوزعت تاني هتفضل حرام.
ولو اتسابت هتفضل حبساه.
في فلوس مالهاش صاحب غير النار.
الكلمة كانت صعبة.
حرق الفلوس
فلوس عمر كامل
فلوس كانت سبب الهيبة والقوة
بس القبر كان واضح في موقفه.
يا كده يا مفيش دفن.
قرروا يعملوا آخر محاولة.
جمعوا الفلوس كلها.
طلعوا على أرض فاضية بعيد عن البيوت.
ولما النار ولعت ما كانتش نار عادية.
اللهب علي وصوت الفرقعة كان عالي كأن الفلوس نفسها بتصرخ.
وفي اللحظة اللي آخر ورقة اتحرقت فيها
هوا خفيف عدى.
والناس بصت لبعضها.
رجعوا القبر.
نزلوا الجثمان.
القبر فتح.
النعش نزل بسهولة كأنه كان مستني اللحظة دي وبس.
بس قبل ما يقفلوا القبر
واحد من الرجالة قال بصوت واطي مرعوب
طب ليه وشه لسه مش مرتاح
والكل بص
وشاف إن ملامح الحاج شفيق لسه متشنجة.
كأن الحساب
لسه ما خلصش...
الناس كانت فاكرة إن كل حاجة خلصت أول ما الجثمان نزل بسهولة وإن القبر أخيرا رضي وإن اللي حصل قبل
اتقفل القبر واتقريت الفاتحة وكل واحد رجع بيته وهو بيقول لنفسه
الحمد لله خلصنا.
بس الحقيقة إن اللي حصل بعد الدفن كان تقيل أكتر من اللي قبله.
أول ليلة الحارس اللي مسؤول عن المدافن صحي مفزوع.
كان سامع صوت غريب مش صراخ ومش نواح صوت احتكاك خفيف كأن حد بيحك حجر في حجر.
طلع من أوضته لف بنظره على المدافن وكل حاجة كانت ساكتة إلا قبر واحد.
قبر الحاج شفيق.
الصبح الخبر انتشر بهدوء.
الحارس حلف إنه شاف تراب القبر متشقق كأن حد كان بيتحرك تحته.
ناس صدقته وناس قالت خوف وناس قالت
سيبك دي أوهام.
بس الأوهام ما بتكملش.
تالت يوم بعد الدفن واحد من ولاد الحاج شفيق صحي لقى دولاب الأوضة مفتوح والخزنة فاضية تماما رغم إنهم كانوا متأكدين إن كل الفلوس اتحرقت.
مفيش كسر مفيش بعثرة بس إحساس تقيل إن في حد دخل وخرج من غير ما حد يشوفه.
الليل اللي بعده الابن نفسه حلم حلم ماكانش حلم.
شاف أبوه واقف لابس نفس الكفن ووشه متغير مش غضبان ولا هادي وشه كان متحاسب.
قاله جملة واحدة بس
لسه في حق.
صحى وهو بيصرخ.
قرروا يروحوا للشيخ.
الشيخ سمع وسكت وبعدين قال
اللي اتحرق اتحرق بس في فلوس اتاخدت وما اتسجلتش وناس اتكسرت وما عرفتش توصل.
وساعتها حصلت الحاجة
راجل غريب دخل البلد.
واقف على عكاز وشه شاحب وقال قدام الناس
أنا كنت شريك الحاج شفيق شريك غصب.
كل قرش دخل جيبه كان عليا نار.
حكى عن صفقات وعن تهديد وعن ربا اتغطى باسم شراكة.
وقال إنه ساب البلد من سنين بس لما سمع اللي حصل ما عرفش ينام.
الفلوس اللي معاه كانت قليلة بس وجعه كان كتير.
رجعوا المدافن تاني.
مش عشان يدفنوا
عشان يفهموا.
ولما وقفوا قدام القبر ما حصلش حاجة.
لا رفض ولا صوت ولا حركة.
بس فجأة الابن الأصغر قال وهو بيبص للأرض
شايفين التراب لسه طري.
كأن القبر رغم ما قبل
لسه فاتح باب الحساب.
الليل كان نازل تقيل على المدافن والهواء ساكن على غير عادته كأن المكان نفسه حابس أنفاسه.
التراب اللي قالوا عليه طري ما كانش طري بس كان متحرك مش بعينك لكن بالإحساس إحساس إن في حاجة لسه ما استقرتش.
الأولاد وقفوا قدام القبر مش عارفين يعملوا إيه تاني.
كل حاجة اتعملت
الديون اللي اتعرفت اتردت
الفلوس الحرام اتحرقت
والناس اللي قدرت تتكلم اتكلمت.
لكن في الحقيقة ما كانش كل اللي اتأذى عرف يوصل
وما كانش كل اللي اتكسر لقى صوت.
الشيخ قرب من القبر وحط إيده على التراب وقال بصوت هادي بس واصل
في ذنوب بتتحاسب في الدنيا
وفي ذنوب ربنا يسيبها
وفي ذنوب القبر نفسه يشهد عليها.
طلب منهم يعملوا آخر حاجة.
مش فلوس.
مش حرق.
مش رد.
طلب اعتراف.
تاني يوم في الجامع بعد الصلاة الأولاد وقفوا قدام أهل البلد.
من غير تبرير من غير دفاع من غير أصل وكان.
قالوا كل اللي عرفوه واعترفوا إن أبوهم ظلم وإنهم ساكتين سنين وإنهم مستعدين يتحاسبوا هم كمان.
قالوا
اللي لسه حاسس إن له حق حتى لو كلمة حتى لو دعوة إحنا موجودين.
ناس عيطت.
ناس سكتت.
ناس سامحت.
وناس ما قدرتش.
وفي آخر الصفوف ست عجوزة كانت ساكتة طول الوقت قامت وقالت
أنا مش عايزة فلوس أنا عايزة أقول إن جوزي مات مكسور بسببه.
قولوا كده وخلاص.
قالوها.
قصاد الناس.
من غير تجميل.
ومن اليوم ده حاجة اتغيرت.
الحارس ما سمعش أصوات تاني.
التراب ثبت.
الهواء رجع يمشي.
بس الغريب
إن القبر عمره ما بقى عادي.
ولا ورد بيعيش عليه.
ولا حد يقف قدامه مرتاح.
اللي يعدي من جنبه يحس بوخزة في صدره كأن المكان بيفكره بحاجة.
والأولاد
باعوا البيت.
وزعوا اللي فاض.
وسابوا البلد.
قالوا قبل ما يمشوا
إحنا اتعلمنا إن مش كل اللي يتدفن يرتاح
ومش كل قبر بيقبل صاحبه من غير حساب.
ومن يومها أهل البلد لما ييجوا يدفنوا حد يبصوا على القبر الأول
مش على سعته
ولا
لكن يسألوا نفسهم سؤال واحد بس
هو ده قبر ولا شهادة
لأنهم عمرهم ما نسوا
القبر الملعون اللي رفض صاحبه.
تمت
بقلم اسامه الهواري