القبر الملعون
هذه القصة خاصة بموقع ايام وناشريه فقط وغير مسموح بنقلها إلى أي مدونة اخري.
الحاج شفيق ماكانش راجل عادي ولا عمره حب يبقى عادي.
من صغره وهو فاهم إن الفلوس مش بس أمان الفلوس سلطة والسلطة بتخلي الناس تسكت حتى لو قلبها مليان كلام.
كبر بسرعة وفلوسه كبرت أسرع.
محل جر محل تجارة دخلت في تجارة وبقى اسمه يتقال في البلد همس مش علن.
ناس تستلف وناس تتكسر وهو دايما واقف ثابت بابتسامة هادية وسبحة في إيده وكلمة
الدنيا أخد وعطا.
ماكانش بيزعق ولا بيهدد ولا يمد إيده على حد.
كان بس يكتب أرقام
والأرقام كانت بتخنق اللي قدامه من غير صوت.
ولما كبر في السن وابتدى شعره يشيب عمل حاجة الناس استغربتها بس محدش علق.
راح واشترى قبر.
مش أي قبر.
قبر واسع متبني حجر أبيض نضيف في حتة عالية شوية عن باقي المدافن كأن صاحبه حابب يبقى شايف الدنيا حتى وهو ميت.
كتب اسمه كامل من غير لقب ومن غير آية بس الاسم وتاريخ الميلاد وساب مسافة فاضية للتاريخ التاني.
كان يروح له لوحده أحيانا.
يقف قدامه ينفض التراب عن الرخام ويقول بصوت واطي
كده الواحد يبقى مطمن لا يدوخ عياله ولا يتبهدل بعد عمر طويل.
الناس كانت تقول
راجل منظم.
بس في عيون قليلة كان في سؤال مستخبي
هو مطمن ليه أوي
وجه اليوم اللي البلد صحيت فيه على خبر موته.
موت مفاجئ من غير تمهيد من غير وصايا أخيرة من غير كلمة توبة ولا حتى نظرة وداع.
البيت اتملى.
رجالة ستات دموع همهمات ودعوات محفوظة.
ولاده واقفين وشهم مصدوم بس في نفس الوقت حاسين براحة غريبة كأن حمل تقيل اتحط من على كتافهم.
الغسل اتعمل.
الجثمان اتلف في الكفن الأبيض.
الجنازة خرجت والناس مشيت ورا النعش وهي بتقول
الله يرحمه
كان بيساعد ناس كتير.
ربنا يجعل مثواه الجنة.
ولما وصلوا عند المدافن الكل كان فاكر إن الموضوع هيخلص بسرعة.
القبر جاهز.
الراجل مجهز كل حاجة من بدري.
لكن أول محاولة لإنزال الجثمان
فشلت.
مش فشل عادي.
النعش نزل وبعدين وقف كأن في إيد خفية ماسكاه.
الرجالة شدت زقت حاولت تعدل الوضع.
ولا حاجة.
حد قال
يمكن التابوت واسع
فكوه.
حاولوا ينزلوا الجثمان بالكفن مباشرة.
والكفن ما دخلش.
في اللحظة دي سكتت المدافن.
حتى صوت الهوا اختفى.
الرجالة بصت لبعض والعرق نزل من جباههم رغم الجو البارد.
ابنه الكبير قرب صوته مكسور وقال
يا جماعة ده قبره ده اللي هو بناه بإيده ده مقاسه مظبوط أنا متأكد.
واحد من الرجالة بلع ريقه وقال
اقروا الفاتحة تاني.
اتقرت.
وبعدها محاولة تالتة.
ولا حركة.
القبر
كان واقف زي فم مقفول
رافض يستقبل اللي جاي له.
وفي اللحظة دي حد من ورا الناس همس همسة صغيرة
بس كانت كفاية تزرع رعب في القلوب
يمكن القبر مش رافض الدفن يمكن رافض صاحبه.
والعيون كلها اتثبتت على الجثمان
كأنها أول مرة تشوفه بجد.
بعد المحاولة التالتة الفاشلة محدش كان قادر يتكلم.
النعش واقف عند فم القبر لا داخل ولا خارج كأنه معلق بين الدنيا والآخرة والناس حواليه حاسة إن في حاجة غلط بس مش عايزة تنطقها.
واحد من الرجالة الكبار في السن كان واقف بعيد شوية قرب ببطء وقال بصوت واطي بس مسموع
اللي زي ده لازم نشوف وراه إيه.
ابن الحاج شفيق شد نفسه وقال بانفعال
نشوف إيه بس أبويا راجل مسلم صلى وصام وعمره ما أذى حد.
الراجل العجوز بص له نظرة طويلة وقال
يمكن ما أذاش بإيده بس الأذى ليه أشكال.
الكلمة نزلت تقيلة.
والناس ابتدت تفتكر حاجات
واحد واقف وسط الجمع قال
فاكرين عم رزق اللي باع أرضه وسافر
واحد تاني رد بسرعة
ما هو سافر ليه غير من ورا الديون
الهمس علي.
أسامي قديمة طلعت من التراب قبل ما الجثمان يدخل تحته.
قروض فوايد أوراق توقيعات أرقام بتكبر كل شهر وناس كانت داخلة تستلف عشان تعيش وخرجت مديونة العمر كله.
ابن تاني من أولاده صرخ
حتى لو كان في ديون إحنا مالنا الراجل مات!
الراجل العجوز رد بهدوء مخيف
الدين ما بيموتش بموت صاحبه.
في اللحظة دي ست كبيرة كانت واقفة ورا الصفوف فقدت أعصابها.
قربت وإيدها بتترعش وقالت بصوت مكسور
جوزي مات وهو مديون له دفعنا اللي علينا وبرضه ما رضي يمسح الزيادة.
سكون تاني.
وبعدها صوت تاني.
وبعده صوت تالت.
كل واحد كان شايل حكاية وساكت عنها بقاله سنين فجأة لقى نفسه مش قادر يسكت.
كأن القبر ده مش بس رافض الجثمان ده فاتح باب الحساب.
ابنه الكبير حس إن الأرض بتهتز تحت رجليه.
قال وهو بيحاول يسيطر على صوته
طب لو في فلوس إحنا نرجعها. إحنا مش عايزين غير ندفن أبويا.
حد رد من ورا
ترجعوا لمين
حد تاني قال
اللي اتاخد بالربا مش فلوس سهلة.
قرروا يعملوا حاجة عمرها ما حصلت في البلد.
جمعوا أهل القرية كلها في الساحة الكبيرة قدام الجامع.
واحد واحد اللي ليه حق أو كان عليه دين أو اتظلم ييجي يتكلم.
النهار كله عدى.
قصص طالعة دموع أرقام إيصالات صفرى قديمة وأسماء اتحفرت في الذاكرة من جديد.
الفلوس اتجمعت.
مبالغ خلت الناس تندهش.
أرقام محدش كان يتخيلها.
ورجعوا المدافن تاني.
قلوبهم مليانة أمل وخوف في نفس الوقت.
حاولوا ينزلوا الجثمان.
وبرضه
القبر رفض.
النعش اتحرك سنتي ووقف.
كأن اللي اتعمل
وابن الحاج شفيق وقع على ركبته وهو بيهمس
هو عايز إيه تاني!
وساعتها الراجل العجوز قال جملة خلت الدم ينشف في العروق
يمكن المشكلة مش في الفلوس اللي اتردت المشكلة في الفلوس اللي لسه موجودة.
والكل بص لبعضه
لأنهم كلهم كانوا عارفين إن ثروة الحاج شفيق لسه زي ما هي.
بعد الجملة اللي قالها الراجل العجوز الساحة كلها غرقت في صمت تقيل صمت مش بتاع خوف وبس ده صمت ناس فجأة فهمت إن اللي حصل لسه في أوله وإن في حاجة مستخبية أكبر بكتير من اللي طلع.
ابن الحاج شفيق الكبير حاول يعمل نفسه ثابت لكن صوته خانه وهو بيقول
تقصد إيه يعني الفلوس اللي لسه موجودة كل اللي نعرفه اترد.
الراجل العجوز هز راسه ببطء وقال بنبرة واثقة كأنه شايف اللي محدش شايفه
أبوك ماكانش بيشيل فلوسه في البنوك كلها في فلوس ما كانتش بتطلع للنور أصلا.
الكلمة نزلت زي حجر في الميه الراكدة.
الناس ابتدت تبص لبعضها وكل واحد افتكر إشاعة قديمة أو جملة اتقالت في قعدة أو همسة سمعتها ست من ستات البلد وبعدين نسيتها.
واحد قال
مش كان بيقولوا عنده خزنة
واحد تاني رد
خزنة إيه ده كان عنده أوضة مقفولة محدش يدخلها.
الأولاد رجعوا البيت.
بيت كبير واسع بس أول مرة يحسوا إنه تقيل عليهم.
الحيطان اللي كانت بتحميهم زمان دلوقتي بقت شاهدة.
دخلوا أوضة أبوهم.
الأوضة كانت نضيفة مترتبة مفيهاش حاجة باينة.
بس الإحساس كان إحساس إن في حاجة مستخبية حاجة مش عايزة تتشاف.
بعد ساعات من الدوران واحد من الأولاد خبط في الحيطة صدفة.
الصوت ماكانش صوت حيطة.
فتحوا.
وظهر قدامهم باب حديد صغير مستخبي ورا دولاب.
الخزنة.
اتفتحت بعد تعب ومش بسهولة.
ولما اتفتحت محدش اتكلم.
فلوس.
رزم فوق رزم.
دولارات جنيهات دهب وأوراق مكتوب عليها أسامي وأرقام وفوايد.
ريحة المكان كانت خانقة.
مش ريحة فلوس ريحة تعب ناس.
ابنهم الأصغر قال