طفلة في السابعه من عمرها

لمحة نيوز


يسكتنا.
في اليوم التالي لم تعد الأمور كما كانت تماما.
رافق الأب إيما إلى المدرسة أمسك يدها بقوة خفيفة لا ليحميها فقط بل ليخبرهادون كلماتأنها ليست وحدها.
وحين تركها عند البوابة انحنى إليها وقال 
تذكري أنت أقوى مما تظنين.
مرت الأيام وعادت الحياة إلى إيقاعها الطبيعي.
لكن شيئا واحدا بقي.
صار الضوء في مدخل العمارة يترك مشغلا في المساء.
وصار الجيران يتبادلون التحية أكثر.
وصارت الأمهات ينتبهن إلى عودة أطفالهن لا بدافع الخوف وحده بل بدافع الوعي.
أما إيما
فقد تغيرت بهدوء.
لم تصبح طفلة مختلفة في تصرفاتها اليومية لكنها صارت تعرف شيئا لم تكن تعرفه من قبل 
أن صوتها له قيمة.
وأن إحساسها ليس

وهما.
وأن طلب المساعدة ليس ضعفا.
في إحدى الحصص الدراسية وبينما كانت المعلمة تطلب من التلاميذ أن يتحدثوا عن موقف شعروا فيه بالفخر بأنفسهم ساد الصف صمت قصير.
بدأ بعض الأطفال يتحدثون عن نجاح دراسي أو مسابقة فازوا بها أو مساعدة قدموها في البيت.
كانت إيما تجلس في مقعدها بهدوء تستمع وعيناها مثبتتان على سطح الطاولة الخشبية أمامها.
لم تكن تفكر في الفوز ولا في التفوق بل كانت تستعيد في داخلها ذلك اليوم الذي ظنت فيه أن الخوف سيشلها ثم اكتشفت أنه لم يفعل.
ترددت قليلا.
رفعت يدها ببطء وكأنها تختبر شجاعتها من جديد.
التفتت المعلمة إليها بابتسامة مشجعة وقالت 
تفضلي يا إيما.
رفعت إيما رأسها وشعرت بنظرات
زملائها تتجه نحوها.
تنفست بعمق ثم قالت بصوت هادئ لكنه ثابت على غير عادتها 
كنت خائفة
لكنني لم أسكت.
لم تضف شيئا آخر.
لم تشرح ولم تدخل في تفاصيل.
ساد الصف صمت قصير ثم ابتسمت المعلمة ابتسامة دافئة ولم تفهم القصة كاملة لكنها أدركت أن ما قيل يحمل معنى أكبر من الكلمات القليلة التي نطقت.
أما إيما
فكانت تعرف تماما ما تقصده.
كانت تعرف أن تلك الجملة الصغيرة تختصر لحظة كاملة
لحظة اختارت فيها ألا تختبئ
وألا تترك الخوف يقودها.
وفي مساء هادئ من أحد الأيام التالية وبينما كانت الشمس تغيب مرة أخرى خلف الأشجار العارية وقفت إيما عند نافذة غرفتها.
نظرت إلى الشارع ذاته الذي سارت فيه ذلك اليوم.
لكنه لم
يعد كما كان في ذاكرتها.
كان الشارع حيا هذه المرة.
سيارات تمر ببطء.
أصوات أطفال يضحكون ويلعبون.
أضواء نوافذ تضاء واحدة تلو الأخرى كأن البيوت تتبادل الطمأنينة.
راقبت إيما المشهد بصمت وشعرت بشيء يشبه السلام يستقر في صدرها.
لم يعد المكان مخيفا.
لم يعد الصمت ثقيلا.
لأنها تعلمت درسا لن تنساه ما حييت 
ليس كل ظلام يهزم بالقوة
وبعض المخاوف لا تحتاج إلى مواجهة عنيفة
بل إلى لحظة شجاعة نشعل فيها الضوء
ونكسر فيها الصمت
ونجرؤ
على أن نسمع صوتنا.
تنويه 
هذه القصة عمل خيالي مستوحى من مواقف واقعية.
تم تغيير الأسماء والشخصيات والتفاصيل.
ولا يتحمل الكاتب أو الناشر أي مسؤولية عن التفسيرات أو الاعتماد
على المحتوى.
جميع الأحداث قدمت لأغراض سردية وتوعوية فقط.

تم نسخ الرابط