طلب مليونير من ابنه أن يختار أم من بين ثلاث نساء لكنه اختار الخادمة
تعود.
رفع غابرييل رأسه.
إن كنتم تقولون إنكم تحبونني فلماذا لم يسأل أحد كيف حالتي
لم يكن هناك جواب. فقط ابتسامات جامدة.
قال
منذ أيام لا أنام. تأتيني كوابيس. أبكي على أمي. والوحيدة التي كانت تسألني إن كنت بخير هي هيلينا.
ثم قال بصوت يرتجف من غضب مكبوت
أنتم تريدون أن تتعلموا كيف تحبونني. هي لم تحتج أن تتعلم.
أرسله ريكاردو إلى غرفته. صعد غابرييل وأغلق الباب بقوة كأنه يغلق آخر باب للأمل.
بعد أسبوع أغمي على غابرييل. فحصه الطبيب وهو رجل يعرف العائلة جيدا ثم تحدث مع ريكاردو على انفراد دون تلطيف
ابنك يعاني اكتئابا طفوليا حادا. إنه يترك نفسه يموت حزنا.
ارتجف ريكاردو.
لكنه في التاسعة.
قال الطبيب
الأطفال أيضا ينكسرون. وليس بسبب الأم التي فقدها فقط بل بسبب الشخص الذي أخذته منه بعد ذلك هيلينا. قل لي يا ريكاردو هل كان ذلك تلاعبا أم كان رعاية
في تلك الليلة وكأن القدر أراد أن يفتح عينيه تماما جاءت فيرونيكا بحقائبها وفرضت نفسها في البيت. حاولت تأديب غابرييل وواجهته ونعتته بالمدلل وتحدثت بسوء عن هيلينا حتى فقدت أعصابها وصفعته. لم يكن مشهدا طويلا كان ثانية واحدة. صوت جاف. طفل مصدوم يضع يده على خده. والعار كان أشد ألما من الصفعة.
ركض غابرييل نحو والده باكيا.
ضربتني لأني دافعت عن خالتي هيلينا.
نظر ريكاردو إلى الأثر الأحمر وانكسر شيء داخله كان
طرد فيرونيكا من البيت دون أن يسمع أعذارها. ثم جثا أمام ابنه للمرة الأولى دون أقنعة.
سامحني همس.
أنا لم أكن حاضرا.
نظر إليه غابرييل بعينين متعبتين من البكاء.
أنت لست سيئا يا أبي. فقط نسيت كيف تعتني بي عندما رحلت أمي.
كانت تلك الكلمات الخالية من الكراهية هي الأشد ألما لأنها كانت الحقيقة.
سأل ريكاردو بصوت مكسور
ماذا نفعل الآن
تنفس غابرييل كأنه يتشبث بآخر حبل
نعيد خالتي هيلينا.
سأل ريكاردو كارمن عن مكانها.
قالت بعد تردد
في نزل بوسط المدينة.
في صباح اليوم التالي قاد ريكاردو سيارته بلا موسيقى. حمل سلة بسيطة فيها خبز وقهوة كأن فعلا متواضعا قد يفتح بابا أغلقه بنفسه بكبريائه. صعد إلى الطابق الثالث طرق باب الغرفة 305 وانتظر.
من هناك جاء صوت هيلينا واهنا.
قال
أنا ريكاردو أرجوك. أحتاج أن أتحدث معك.
سكت المكان ثم فتح الباب قليلا. ظهرت هيلينا بلا مساحيق والإرهاق واضح على وجهها وحزن صامت يثقل الملامح.
ماذا تريد سألت دون أن تدعوه للدخول.
ابتلع ريكاردو ريقه. لم يكن الكلام يوما بهذا الثقل.
جئت لأطلب الصفح. عن كل شيء. عن تصديقي للأكاذيب. عن إذلالك. عن أنني لم أر ابني ولم أرك أنت.
نظرت إليه كأنها تبحث عن فخ. ثم قال ما لا يستطيع إخفاءه
غابرييل مريض. الطبيب يقول إنه يذوي. و الليلة الماضية ضربته إحدى تلك النساء لأنه دافع عنك.
شحب
ضربته
أومأ ريكاردو مهزوما.
عندها فهمت كم كنت أعمى.
فتحت هيلينا الباب على مصراعيه.
ادخل.
كانت الغرفة صغيرة نظيفة بسيطة. شعر ريكاردو بالخزي المرأة التي أعادت الحياة إلى بيته كانت تعيش الآن بين جدران متقشرة بسبب كبريائه.
قال
لا أطلب منك شيئا بالقوة. أرجوك عودي. لا كعاملة بل كإنسانة لها مكان. غابرييل يحتاجك.
خفضت هيلينا نظرها ثم قالت بصوت ثابت رغم ارتجاف يديها
إن عدت يجب أن يتغير شيء حقا. يجب أن تحترمني. وأن تكون حاضرا لابنك.
أومأ ريكاردو فورا.
أعدك.
تنفست هيلينا بعمق كأنها تفرغ أسابيع من الألم.
سأعود من أجل غابرييل. لا من أجلك.
قال
أفهم. وشكرا لأنك كنت أفضل لابني مما كنت أنا.
عندما دخلت السيارة القصر كان غابرييل عند النافذة نحيلا كظل. وما إن رآها تنزل بحقيبة حتى ركض كأن جسده تذكر فجأة كيف يعيش.
خالتي هيلينا!
ارتمى في ذراعيها وبكى بلا خجل.
ظننت أنك لن تعودي.
قالت وهي تضمه
وأنا أيضا خفت. لكنني هنا.
نظر ريكاردو إليهما وفهم لأول مرة أمرا بسيطا الحب لا يشترى. يثبت. يصغى إليه. ويبقى.
مع الأيام عاد غابرييل للأكل وللكلام وللضحك. وكانت كل ضحكة كإضاءة مصباح في بيت عاش طويلا بستائر مغلقة. لم تمح هيلينا ذكرى ماريانا بل ساعدت غابرييل على تذكرها دون أن ينكسر. تصفحا الألبومات حكيا القصص وتحدثا عن الأم كمن يتحدث عن شخص ما زال حاضرا
وفي إحدى الأمسيات بينما كانوا ينظرون إلى صورة لماريانا وهي حامل قال غابرييل بهدوء حكيم
إذا تزوجت خالتي هيلينا منك يوما يا أبي فهذا لا يعني أن أمي ستذهب. بل
يعني أن قلبي صار أوسع.
لم يجد ريكاردو ردا. فقط أمسك يد ابنه ونظر إلى هيلينا بامتنان صادق لا يحتاج كلمات.
لم يكن كل شيء مثاليا فورا. تعلم ريكاردو الاعتذار دون كبرياء والحضور مبكرا والاستماع دون مقاطعة. وتعلمت هيلينا أن تثق مجددا. لكن كل ليلة حين ينام غابرييل بلا كوابيس لأن أحدا قال له أنا هنا كانت العائلة تدرك أن الأصعب قد مضى لقد توقفوا عن الهرب.
بعد أشهر وفي الحديقة نفسها التي بدأ فيها الانفجار جثا ريكاردو أمام هيلينا بخاتم بسيط وصوت مكسور
لا أريدك أن تكوني بديلة لأحد. أريدك جزءا منا إن أردت.
نظرت هيلينا إلى غابرييل الذي كان يراقبهما بعينين لامعتين كأنه يرى وعدا سماويا يتحقق. تنفست وابتسمت وسط دموعها وأومأت.
نعم لكن بشرط ألا تنسى أبدا أن ابنك لا يحتاج رفاهية بل حضورا.
قبل ريكاردو يدها كمن يقسم بالقلب لا بالكبرياء.
أعدك.
وحين تزوجا لم تكن المراسم للتفاخر بل للشفاء. حمل غابرييل الخواتم بفخر وقال بصوت عال دون خجل
أنا اخترت بقلبي وقلبي لم يخطئ.
لأن الحياة أحيانا لا تمنحك ما تخطط له ولا ما تشتريه ولا ما يناسبك بل تمنحك ما ينقذك حقا إنسانا بسيطا يعرف كيف يصغي