سأمنحك 100 مليون دولار إن استطعت فتح الخزنة
كان الطابق التنفيذي من المبنى مصمما ليشعر الداخل إليه بصغره قبل أن يتكلم وبعجزه قبل أن يطالب بشيء
جدران زجاجية تمتد من الأرض إلى السقف تكشف المدينة من علو شاهق حتى بدت السيارات في الأسفل كنقاط متحركة بلا ملامح والبشر كظلال لا ترى
أرضيات من الرخام الأبيض المصقول تعكس الضوء والوجوه وكأن المكان لا يسمح لك أن تخفي ضعفك لكنه يسمح لأصحاب القوة أن يتجاهلوك تماما
هنا في هذا الطابق لم تكن تتخذ قرارات عادية
كانت تتخذ قرارات تغير مصائر آلاف الناس دون أن يرى متخذوها وجوه أولئك المتأثرين بها ودون أن يسمعوا أصواتهم أو يشعروا بآلامهم
في ذلك المساء جلس حول طاولة الاجتماعات الطويلة عدد من الرجال جميعهم يرتدون بدلات مفصلة بعناية ساعاتهم اللامعة تلمع تحت الأضواء البيضاء الباردة وأجهزة الحاسوب أمامهم مفتوحة على جداول وأرقام تتحرك بلا توقف
أكواب القهوة وضعت أمامهم لكنها بقيت دون أن تلمس
كانوا يتحدثون عن صفقات عن اندماجات عن أرباح وخسائر عن أشياء تقاس بالملايين وربما بالمليارات
وبالقرب من الباب وقفت امرأة بصمت
كانت تحمل ممسحة
اسمها روزا
لم يكن وجودها جزءا من المشهد في نظرهم
لم يكن أحد يلتفت إليها أو يسأل عن اسمها أو يفكر لماذا تقف هناك
كانت مجرد جزء من الخلفية كالجدار أو الأرضية أو الهواء الذي يتنفسونه دون وعي
روزا تعلمت عبر سنوات طويلة من تنظيف المكاتب والممرات كيف تصغر نفسها
كيف تتحرك دون
كيف تخفض بصرها
كيف لا تفرض وجودها على أحد
كانت تعرف القواعد جيدا
لا تتكلمي إلا إن طلب منك
لا تنظري في عيونهم
أنهي عملك واغادري
كأن الوجود نفسه امتياز لا يحق لها أن تطلبه
إلى جوارها وقف ابنها
حافي القدمين
كان صغيرا بالنسبة لعالم كهذا لكنه بدا ثابتا على نحو غير متوقع
قدماه العاريتان لامستا الرخام البارد الرخام الذي ربما كانت قيمته وحده تفوق كل ما تملكه أسرته من أثاث وملابس وأحلام
كانت حذاؤه قد بلي منذ أسابيع
وعدته روزا أنها ستشتري له غيره فور أن تتقاضى راتبها القادم
لم تكن تريد أن تحضره معها إلى العمل لكن جليسة الأطفال اعتذرت في اللحظة الأخيرة وغيابها عن النوبة كان يعني مخاطرة لا تستطيع تحملها
الإيجار لا ينتظر
والجوع لا ينتظر
فوقفت هناك وابنها إلى جوارها تحاول أن تجعله غير مرئي مثلها
لكن ذلك لم يدم طويلا
الرجل الجالس على رأس الطاولة هو من لاحظه أولا
كان مليارديرا
ليس فقط بسبب المال الذي يملكه بل بسبب الطريقة التي يجلس بها ويتكلم وينظر إلى الآخرين
طريقة من اعتاد أن يطاع دون نقاش
مال إلى الخلف في مقعده الجلدي وارتسمت على شفتيه ابتسامة بطيئة ابتسامة رجل يشعر بالملل ويبحث عن تسلية عابرة
قال بصوت عال قاطعا الحديث
يبدو أن لدينا ضيفا اليوم
تسللت الضحكات حول الطاولة
ضحكات خفيفة متواطئة بلا خجل
شعرت
أنزلت رأسها فورا كأنها ارتكبت خطأ جسيما لمجرد وجودها
قالت بصوت منخفض
أعتذر يا سيدي يمكننا المغادرة إن
قاطعها بإشارة من يده بلا اهتمام
ابقي مكانك نحن على وشك الانتهاء ثم إن
نظر إلى الصبي مرة أخرى
قد يكون هذا مسليا
مسليا
نهض من مقعده وتقدم بخطوات واثقة نحو خزنة فولاذية ضخمة مدمجة في الجدار
كانت خزنة صناعية ثقيلة من النوع المصمم ليصمد أمام الحرائق والفيضانات وربما الحروب
ربت عليها بيده وقال
هل ترون هذه قيمتها وحدها تفوق قيمة معظم البيوت ثلاث طبقات من القفل صنعت خصيصا
ثم استدار نحو الصبي
قال وهو يصفق بيديه
سأعطيك مئة مليون دولار إن استطعت فتحها
انفجرت القاعة بالضحك
لم يكن ضحكا مترددا
كان ضحكا مرتاحا ضحك من لا يخشى العواقب من يرى الإهانة لعبة
احترق وجه روزا خجلا
شدت قبضتها على الممسحة وتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها
تقدمت خطوة وقالت برجاء
أرجوك إنه مجرد طفل سنغادر الآن
ضحك أحد الشركاء
اهدئي إنها مزحة
وأضاف آخر
من الأفضل أن يتعلم باكرا كيف يسير العالم
أما الملياردير فهز كتفيه
بالضبط
لكن الصبي لم يضحك
لم يتحرك
وقف ينظر إلى الخزنة لا بإعجاب ولا بخوف بل بفضول هادئ
ثم تقدم خطوة إلى الأمام
قدمان حافيتان
ظهر مستقيم
نظرة ثابتة
خفتت الضحكات قليلا
رفع
هل يمكنني أن أسأل سؤالا أولا
رفع الملياردير حاجبه بابتسامة ساخرة
تفضل يا صغيري
مال الصبي برأسه قليلا وسأل
هل تعرض المال لأنك تظن أنني لا أستطيع فتحها أم لأنك تعرف أنك لن تضطر إلى الدفع أبدا
ساد الصمت
ليس صمت المجاملة
بل صمت الارتباك
ساد الصمت في القاعة كأن الهواء نفسه انقطع
لم يعد ذلك الصمت المترف الذي يسبق توقيع الصفقات بل صمتا ثقيلا حادا يحمل في داخله ارتباكا لم يعتده أصحاب البدلات الأنيقة
تبادل بعض الجالسين النظرات
تنحنح أحدهم محاولا كسر التوتر
تحرك كرسي قليلا ثم عاد كل شيء إلى سكون أشد
أما الملياردير فقد ضحك
لكن ضحكته هذه المرة لم تكن عريضة كما قبل
كانت قصيرة متقطعة كأنها خرجت لإخفاء شيء انكشف فجأة
قال وهو يشبك ذراعيه
لسانك حاد يا فتى لكن هذا لا يغير شيئا
أومأ الصبي برأسه بهدوء
أعلم
ثم تقدم خطوة أخرى نحو الخزنة لكنه لم يلمسها
توقف على مسافة قريبة كأنه أدرك منذ البداية أن المسألة ليست في الأقفال ولا في الفولاذ
استدار ببطء نحو الطاولة نحو الرجال الذين اعتادوا أن تطاع كلماتهم بلا نقاش
قال بصوت هادئ لكنه مسموع للجميع
كان أبي يقول دائما إن الأمان الحقيقي لا يكون في عدد الأقفال بل فيمن يملك الحقيقة
تقلصت ابتسامة الملياردير
وماذا تقصد بهذا
نظر الصبي إلى الخزنة ثم إلى الوجوه حول الطاولة
وجوه
قال
أقصد أن هذا لم يكن تحديا حقيقيا من