منذ اليوم الذي أصبحت فيه زوجه

لمحة نيوز


من تسكن الموتى.
وكل ليلة كنت أنام فوق غرفتها كنت فوق أواني زجاجية مليئة ببقايا بشرية 
وفوق امرأة تؤمن أنها يمكن أن تحمل موتاها على جلدها.
نقلت شانتا إلى قسم الأمراض النفسية تحت رقابة الشرطة.
لكن نظرتها الأخيرة لي
كانت كفيلة بأن تحول عظام ظهري إلى جليد.
في تلك الليلة بالكاد تحدثت أنا وراجيف.
الفيلا بأكملها شعرت فارغة ملوثة مريضة.
حوالي الثانية فجرا استيقظت لأشرب ماء.
وهناك سمعته.
طرق خفيف.
الصوت نفسه الذي كنت أسمعه دائما من غرفتها.
لكن غرفتها الآن مغلقة بشريط الشرطة.
خفق قلبي بعنف.
اقتربت ببطء.
طق طق طق
وكأن شيئا يطرق من داخل الخزانة الخشبية.
تجمدت.
لا همست. مستحيل البرطمانات مقفولة.
لكن الطرق ازداد.
أعلى وأقرب وأكثر إصرارا.
أيقظت راجيف وأنا أرتجف.
وعندما سمعه أصبح وجهه أبيض كالطباشير.
اتصلنا بالشرطة فورا.
عندما وصلوا وفتحوا الغرفة المختومة ضربتنا الرائحة المعتادة 
لكن شيئا آخر كان هناك أيضا
أحد البرطمانات وقع على الأرض.
وتحطم.
وعلى الخزانة الخشبية
كانت هناك خطوط حديثة 
أشبه بأصابع انزلقت عبر السائل الأحمر الداكن.
لكن الجزء الأكثر رعبا
عندما اتصلت الشرطة بمستشفى

الأمراض النفسية للتحقق
شانتا كانت مفقودة.
هربت وهي ترتدي ثوب المستشفى.
وأظافر قدميها كانت تجر على الأرض تاركة خطا ضعيفا.
وفي نهاية الخط مكتوبة على الجدار بخط مرتعش وبسائل أحمر يقطر كانت هناك عبارة واحدة
أنا راجعة البيت.
بعد هروب شانتا وضعت الشرطة حراسة على بوابة الفيلا طوال الليل.
لكنها لم تدخل من البوابة.
حوالي الرابعة فجرا عندما بدأ راجيف ينعس سمعت صوتا خفيفا
نقرة نقرة
من جهة شرفة الطابق الثاني.
وتجمد الدم في عروقي.
هذه الشرفة تؤدي مباشرة إلى غرفة نومنا.
خرجت إلى الردهة قلبي يتخبط داخل صدري ونظرت من خلال باب الغرفة نصف المفتوح.
كان هناك ظل نحيل واقف على الشرفة
شعرها نافش ثوب المستشفى يتطاير وظلها الممدود على الأرض بدا غير بشري.
لم تطرق.
لم تتكلم.
كانت فقط تقف هناك.
وتتنفس.
أنفاس رطبة بطيئة وكأنها تشم البيت أو تشمنا.
تراجعت خطوة أحبس صرخة.
اهتز هاتفي.
رسالة من رقم مجهول
أنا وصلت.
صرخت على راجيف والشرطة.
اقتحم الضباط الغرفة وفتحوا باب الشرفة.
لكنها كانت فارغة.
فقط لطخة صغيرة من الأحمر على السور
وبصمة إصبع تنزلق للأسفل 
وكأن أحدهم كان يراقبنا منذ وقت طويل.
فتشت الشرطة المكان.

لا أثر لها.
حتى نادى أحد الضباط من عند الدرج
يا مدام لازم تشوفي ده.
على زجاج باب الحديقة الخلفي
كانت هناك بصمة يد كاملة.
كبيرة.
رطبة.
ومستحيل تكون قديمة.
لكن الجزء الذي جعل ركبتي تخوناني
لم تكن يدا عارية.
كان عليها أثر قفازات.
قفازات جراحية.
نفس التي كانت ترتديها وهي تعبث بالبرطمانات.
همس راجيف وصوته يتشقق
هي مش جاية تؤذينا
هي جاية تاخد حد معاها.
لم أنم تلك الليلة.
ولا الليالي بعدها.
وأحيانا 
عندما يسكن البيت
وتنطفئ الأنوار
وتبرد الهواء فجأة 
أشم نفس الرائحة المعدنية الحادة تجري مع المسارات
وكأنها تهمس
شانتا لم تترك موتاها وراءها.
ولم تتركنا نحن أيضا
بعد الليالي الطويلة من الرعب والمطاردة بدأت الشرطة تجمع الأدلة وتخطط للقبض على شانتا. ولكنها كانت ذكية وماهرة في الاختباء وكأنها تعرف كل حركة سيقومون بها قبل أن يخطوها
كانت السماء ملبدة بالغيوم والمطر يتساقط بخفة فوق الجسر القديم حيث وقفت شانتا على الحافة ترتجف عيناها هائمتان تبحثان في الضباب عن شيء لا يراه غيرها.
خلفها كان يقف ابنها أرش والشرطة يحاولون التقدم خطوة خطوة دون أن يفزعوها.
صرخ أرش بصوت يختلط فيه الرجاء بالبكاء
ماما
لو سمحتي تعالي معايا. كل ده هيعدي تعالي نروح المستشفى يعالجوكي أنا هنا أنا مش هسيبك.
لكن شانتا لم تلتفت.
كانت تحدق في الفراغ وكأنها ترى أشباحا يعرفها قلبها فقط
زوجها الذي مات أطفالها الذين رحلوا
أمها التي كانت تناديها في ليالي الحزن
وجوه أحبتها وفقدتها تراها تتشكل في الضباب فوق الماء.
رفعت يدها ترتعش كأنها تلمس أطيافا لا وجود لها.
قالت بصوت مكسور بالكاد خرج من حلقها
هما مستنيني شايفيني بيرجعولي.
تقدم أرش خطوة وهو يبكي
ماما لا! ده وهم! اللي راحوا مش هيجو تاني وأنا هنا أنا ابنك لو مش عشاني عشان نفسك تعالي!
أدارت وجهها نحوه لأول مرة
نظرة تحمل كل ما تبقى من عقلها وكل ما تحطم منه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة مؤلمة وقالت
سامحني يا ابني قلبي مش قادر يعيش هنا قلبي راح معاهم من زمان.
حاول أرش أن يجري نحوها لكن الشرطة أمسكت به خوفا من سقوطهما معا.
وفي لحظة خاطفة
فتحت شانتا ذراعيها كمن يستقبل حضنا منتظرا
ثم ألقت بنفسها.
صرخة أرش اخترقت السماء
والمطر اشتد
والنهر ابتلع آخر بقايا الألم الذي حملته شانتا معها طيلة حياتها.
وقف أرش على الجسر منهارا بينما الشرطة تقترب منه ببطء
كانت النهاية قاسية
لكنها
النهاية التي اختارتها هي أن تلحق بأهلها الذين رحلوا
وتترك خلفها ابنا سيحمل حبها وجراحها ما بقي من عمره

 

تم نسخ الرابط