حماتي قصة شعري وطردتني
أن تنطقي بكلمة.
كانت كلماتها كالماء البارد على نار مشتعلة داخلي. بكيت طويلا تلك الليلة لكن بكاء مختلفا بكاء تفريغ لا انهيار. بدأت أشعر بأن قلبي يهدأ وبأنني لم أعد تلك الفتاة الضعيفة التي طردت بشعر مقصوص وكرامة مجروحة.
بعد فترة سمعت عن دورة لتعلم الخياطة في البلدة. ترددت في البداية لكن الراهبة شجعتني قائلة
تعلمي حرفة اليد التي تعمل لا تنكسر بسهولة.
التحقت بالدورة. كنت أدرس في الصباح وأعود بعد الظهر لأعمل في الدير. في البداية كانت يداي ترتجفان فوق القماش لكن شيئا فشيئا بدأت الغرز تستقيم والأقمشة تتحول إلى فساتين جميلة. شعرت للمرة الأولى منذ زواجي بأنني أنجز شيئا لنفسي لا لإرضاء أحد.
بعد ثلاثة أشهر فقط بدأت أبيع بعض القطع للزوار والسياح الذين يقصدون الدير. كانوا يبدون إعجابهم
في تلك الفترة كان كارلوس يزورني سرا من حين إلى آخر. كان يأتي مكسور النظرة يعتذر ويبكي كما لم أره من قبل. كان يتوسل إلي أن أعود إلى البيت ويعدني بأن الأمور ستتغير. كنت أنظر إليه بحزن عميق لا غضب فيه وأهز رأسي قائلة بهدوء
لن أعود حتى تفهم والدتك وحتى تفهم أنت أيضا.
كان يخفض رأسه عاجزا عن الرد ثم يغادر وهو يحمل ذنبا لم يعرف كيف يصلحه.
وفي أحد أيام المطر بينما كنت أغلق باب المتجر مع الغروب رأيت امرأة تقف عند مدخل الدير. كانت نحيلة منحنية الظهر وقد غزا الشيب شعرها أكثر مما أذكر.
ما إن وقعت عيناها علي حتى انهارت وجثت على ركبتيها تحت المطر والدموع تنهمر بلا توقف
آنا سامحيني كنت مخطئة كنت قاسية.
وقفت صامتة. لم أشعر بشماتة ولا بفرح ولا حتى بغضب. فقط صمت عميق. بدأت تحكي وكأنها تنتظر هذه اللحظة منذ زمن. قالت إن كارلوس غادر البيت وانتقل إلى شقة صغيرة وإنه رفض الحديث معها. فرغ الدكان وخلا البيت ولم يبق لها سوى الوحدة. عندها فقط أدركت قيمة الأيام التي كنت فيها العمود الذي يحمل كل شيء.
قالت وهي تبكي بحرقة
عودي إلى البيت أعدك أنني لن أكرر ما فعلت. سأعتبرك ابنتي فقط عودي.
سكت طويلا أنظر إلى وجهها الذي أنهكه الندم. ثم قلت بهدوء لم أتوقعه من نفسي
أمي لم أعد غاضبة. سامحتك منذ زمن. لكنني اليوم
أمسكت بيدي بقوة وكأنها تتشبث بآخر فرصة
إن سامحتني فهذا يكفيني أشعر وكأن حملا ثقيلا أزيح عن صدري.
أومأت برأسي قليلا. نعم سامحت. لكنني لم أعد. اخترت البقاء في الدير وتطوير عملي في الخياطة بل وبدأت لاحقا بتقديم دروس مهنية للفتيات والشباب في القرية كي لا يشعر أحدهم يوما بالعجز الذي شعرت به.
قصتي أدهشت كثيرين. من زوجة ابن مهانة طردت من بيتها في ليلة مظلمة استطعت أن أنهض لا بالانتقام بل بالعمل وببناء حياة جديدة من الصفر.
وتعلمت درسا لن أنساه ما حييت
أن الرحيل أحيانا هو أبلغ رسالة نوجهها لمن آذانا.
وأن التسامح لا يعني النسيان ولا العودة إلى الألم بل يعني التحرر والقدرة على اختيار السلام ولو كان الطريق