طردتني بنتي وزوجها تحت المطر

لمحة نيوز


لو لا أمك الساحرة لبقيت في القمة! اخرجي! اذهبي وابحثي عن مال!
نظرت إليه كارولينا ووجهها مبلل بالدموع ومعدتها خاوية. رأت الوحش الذي كان يختبئ وراء البدلة الفاخرة. رأت الحقيقة. قالت بهدوء فاجأها أنت محق يا رودريغو سأخرج. لكن لا لأجلب مالا لسكرك. سأخرج لأبحث عن كرامتي. أخذت حقيبتها وارتدت سترة بسيطة وفتحت الباب. صرخ خلفها إن خرجت فلن تعودي! ورمى زجاجة تحطمت قرب قدميها. لكنها لم تلتفت. نزلت الدرج مسرعة. شعرت أن هواء الشارع رغم ضجيجه وتلوثه أنقى هواء تنفسته منذ سنوات.
مشت بلا هدف وهي تبكي حتى وصلت إلى شارع رئيس. لم يكن معها مال ولا بيت ولا زوج. كانت وحيدة تماما. وفجأة كبرق في ذاكرتها تذكرت تذكرت صوت أمها عند الباب وتذكرت كيف تركتها تحت المطر. ضربتها الذنب حتى اضطرت إلى الجلوس على الرصيف. أنت أمي هل ما زلت حية هل ستغفرين لي
لم تكن تعرف أين أمها. كانت تظن أنها في مأوى خيري أولا قدر اللهقد ماتت. لكن شيئا في داخلها غريزة أولى قال يجب أن أبحث عنها. نهضت واتجهت نحو الكنيسة الوحيدة التي تعرفها قرب عالمها القديم كنيسة الكرمل حيث كانت ترى أمها تصلي. ربما يعرف أحد هناك شيئا. كان الطريق طويلا ولا تملك ثمن الحافلة فبدأت تمشي خطوة خطوة. كانت الابنة الضالة تبدأ عودتها إلى البيت دون أن تعلم هل ما زال لها بيت.
وصلت كارولينا إلى كنيسة الكرمل وهي تجر قدميها. حذاؤها الفاخر تمزق وتلطخ بالطين وبطنها يصرخ من الجوع. ولما سألت عن أمها نظرت إليها الأخت كلارا بمزيج من الشفقة والصرامة أمك بخير بل أفضل مما كانت. الله أنصفها. وكتبت لها عنوانا على ورقة صغيرة اذهبي إلى هنا. وحين تصلين اطلبي الصفح على ركبتيك فهذه المرأة قديسة.
أعطتها الراهبة بعض العملات فركبت كارولينا حافلة شعبية إلى سان آنخل. كان الطريق يبدو بلا نهاية. وحين نزلت في شارع مرصوف بالحجارة ووجدت الرقم توقفت فجأة. أمامها بيت استعماري جميل تكسوه نباتات متسلقة وحديقة تفوح برائحة الورد والتراب المبتل. قالت في نفسها هذا مستحيل أخطؤوا العنوان. أمي لا يمكن أن تعيش هنا.
همت

بالانصراف مقتنعة أنه خطأ لكنها رأت شخصا في الحديقة امرأة بشعر أبيض تسقي النباتات بصبر لا نهاية له. بدت أصغر سنا أكثر استقامة وفي وجهها نور لم تذكره كارولينا منذ أعوام. كانت مرسيدس.
توقف قلب كارولينا. أرادت أن تركض  لكن العار أثقل قدميها. تذكرت المطر وصفقة الباب وصمتها الجبان. وقفت عند السور ترتجف. همست أمي لكن صوتها لم يخرج.
رفعت مرسيدس رأسها كأن في قلبها رادارا. رأت تلك المرأة الشاحبة القذرة الحزينة عند البوابة. امتلأت عيناها بالدموع. تجمد الزمن. وارتد في ذهنها قول الرجل في الحديقة ستبحث عنك ابنتك وحينها ستقررين هل تكونين مثل رودريغو كان معك أم تكونين مثلما كنت أنا معك
كانت نفسها البشرية تريد أن تغلق الباب وتصرخ الآن جئت! الآن بعدما فقدت كل شيء! كان الألم يطلب انتقاما. لكن روحها اختارت ما هو أعلى.
تركت مرسيدس خرطوم الماء ومشت ببطء إلى البوابة. تراجعت كارولينا خطوة وخفضت رأسها تنتظر التوبيخ والرفض. انفجرت بالبكاء أمي أنا لا مكان لي اغفري لي وسقطت على ركبتيها وهي تغطي وجهها بيدين متسختين.
فتحت مرسيدس الباب على مصراعيه. صرير الحديد كسر الصمت. لم تقل شيئا بل مدت ذراعيها. انهارت  وتبكي بكاء ممزقا بكاء من يعرف أنه لا يستحق الرحمة لكنه لا يملك غير طلبها. صرخت اغفري لي يا أمي! كنت جبانة! تركتك وحدك! أنا قذرة!
انحنت مرسيدس بصعوبة السنين وبقوة الحب ورفعتها. قالت وهي تمسح شعرها وتقبل جبينها اهدئي يا ابنتي انهضي. كانت كارولينا تبكي لا أستحق أن أدخل بيتك. فأجابت مرسيدس لا أحد يستحق النعمة يا ابنتي لذلك هي نعمة. ادخلي. لقد عدت إلى بيتك.
في ذلك المساء في مطبخ واسع دافئ قدمت مرسيدس لابنتها طبق حساء ساخن. كانت كارولينا تأكل بشراهة من الجوع ومرسيدس تنظر إليها بحنان. قالت كارولينا بين شهقاتها رودريغو خسر كل شيء جن. كان يلومني. يعيش في حفرة في دوكتوريس مليئة بالكراهية. قالت مرسيدس بحكمة الكراهية سم يشربه الإنسان وهو يتمنى أن يموت به الآخر. إنه يدفع ثمن سجنه الآن.
قالت كارولينا أمي كيف تنظرين إلي دون اشمئزاز
بعد ما فعلناه فأمسكت مرسيدس يدها لأن أحدا نظر إلي بحب وأنا ملقاة في الوحل يا كارولينا. وإذا غفر لي هو زلاتي فمن أنا كي لا أغفر لك
مرت ستة أشهر. تغيرت الحياة في بيت سان آنخل. تعافت كارولينا ولم تعد تلك المرأة السطحية. قصت شعرها وتوقفت عن الصبغات وبدأت تعمل مع أمها في المطبخ المجتمعي. وجدت سلاما في تقشير البطاطا وفي تقديم الطعام وفي الابتسام للغرباء. تعلمت أن الكرامة ليست في ماركة الحقيبة بل في نقاء الروح.
لكن خاتمة كانت ناقصة. قالت مرسيدس يوما علينا أن نذهب إليه. شهقت كارولينا إلى رودريغو لا يا أمي! إنه خطر. فأجابت مرسيدس ليس خطرا يا ابنتي. إنه روح ضائعة. والله لا يتخلى عن أحد حتى آخر نفس.
ذهبتا إلى المبنى في دوكتوريس. كان المكان تفوح منه رائحة الرطوبة واليأس. فتح رودريغو الباب. لم يعد الرجل الذي عرفتهما هزيلا بلحية طويلة نظرة مطفأة. وما إن رأى مرسيدس حتى تراجع كأنه رأى شبحا واصطدم بالحائط في غرفته البائسة. بصق بمرارة جئت لتسخري جئت لتري كيف يعيش رودريغو العظيم الآن اخرجي يا عجوز!
دخلت مرسيدس بلا خوف ووقفت وسط الغرفة القذرة بهيبة روحية جعلته يرتجف. قالت لم آت لأهينك يا رودريغو. جئت لأقول لك أنا أغفر لك. ساد صمت مطبق. فتح رودريغو فمه ولم يخرج شيء. قالت مرسيدس أغفر لك لأنك دفعتني إلى المطر. أغفر لك لأنك سميتني عبئا. أغفر لك لأنني لا أريد أن أحمل قذارتك في طريقي إلى السماء. تمتم رودريغو وهو يسقط على فراشه لماذا لقد عاملتك كالكلب.
قالت مرسيدس بهدوء وانظر أين انتهيت أنت وأين انتهيت أنا. عدالة الله كاملة لكن رحمته كذلك. إن تبت من قلبك وتركت تلك الكبرياء التي أفسدت روحك فما زال لك طريق. ليس لاسترجاع المالفقد انتهىبل لاسترجاع إنسانيتك.
انكسر رودريغو. بكى بكاء قبيحا صاخبا بكاء طفل ضائع. غطى وجهه وترك المرارة تسيل. وفعلت مرسيدس ما لم يتوقعه اقتربت ووضعت يدها على رأسه. قالت اطلب المغفرة منه هو لا مني.
بعد عام كان عيد ميلاد مرسيدس الثمانين احتفالا كبيرا في سان آنخل موسيقى وطعام وكعكة. امتلأ البيت بالجيران ورواد
المطبخ والأب توماس والأخت كلارا. وفي زاوية كان رودريغو يقف بخجل بثياب عمل نظيفة ويدين ملطختين بالشحم. صار يعمل ميكانيكيا في ورشة في إيزتابالابا. يتقاضى حدا أدنى من الأجر ويعيش في غرفة صغيرة لكن عينيه لم تعودا تحملان الكراهية صارتا تحملان سلاما.
اقترب من مرسيدس عند تقطيع الكعكة وخفض رأسه يا دونيا ميشي لا أملك مالا لهدية فاخرة لكنني صنعت هذا. أخرج من جيبه صليبا صغيرا منحوتا من خشب. بسيطا خشنا مصنوعا بيدين تعبتا شهرا كاملا. قال صنعته بنفسي. لأقول لك إنني بفضلك عرفت النجار.
أخذت مرسيدس الصليب وقبلته. قالت إنه أجمل هدية قدمت لي يا بني.
استمرت الحفلة لكن مرسيدس شعرت بتعب شديد تعب جميل. جلست على كرسيها في الحديقة تنظر إلى ابنتها وهي توزع الكعكة وإلى رودريغو وهو يضحك مع البستاني وإلى الناس وهم يأكلون ويحتفلون. همست صار كل شيء في موضعه يا رب. ابنتي في أمان. صهري وجد الطريق. بيتك امتلأ. أنا مستعدة.
داعبت شمس الغروب وجهها بدفء ذهبي. أغمضت عينيها لحظة تستمتع بالنسيم فرأته. لم يكن حلما. كان واقفا بين شجيرات الورد كما رأته في الحديقة يوم المطر. يسوع. لم يعد بثوب متواضع بل بنور لا يؤذي العين. ابتسم لها بعينين لا نهاية لهما ومد يده. سمعت في قلبها لا في أذنها نعما فعلت أيتها الخادمة الصالحة الأمينة. في القليل كنت أمينة فأقيمك على الكثير. ادخلي إلى فرح سيدك.
ابتسمت مرسيدس. ابتسامة ثبتت على وجهها إلى الأبد. خرج نفسها الأخير برقة بتلة تسقط. بلا ألم. بلا خوف. سلام فقط.
حين اقتربت كارولينا لتقدم لأمها قطعة كعك ظنت أنها نامت. لمست يدها كانت دافئة لكنها ساكنة. فهمت كارولينا. لم تصرخ. لم تنهر. فقط  وبكت بهدوء شاكرة. همست في أذنها اذهبي مطمئنة يا أمي لقد علمتنا الطريق. اذهبي إليه.
رحلت مرسيدس ألفاريز لكن بيتها لم يغلق. صارت كارولينا ورودريغودون أن يعودا زوجينحارسين لذاك الملجأ. ويقول المارون في تلك الزقاق من سان آنخل إنهم في أمسيات المطر حين تشتد الغيوم يشعرون بدفء خاص وهم يمرون قرب البوابة كأن أحدا من السماء يحتضن
كل من أصابه برد الحياة.

 

تم نسخ الرابط