أشفني وامنحك ثروتي
اليمنى.
ملليمتر واحد فقط لكنه تحرك.
حبس فرناندو أنفاسه وركز بكل ما أوتي من قوة.
اهتزت ساقه اليسرى فجأة اهتزازا خفيفا في البداية كارتجافة ورقة أصابها الهواء ثم تشنجا عضليا واضحا لم يشعر بمثله منذ عامين كاملين.
تجمد فرناندو في مكانه.
لم يجرؤ على التنفس.
لم يجرؤ حتى على التفكير.
كان يخشى أن يكون ما يحدث خدعة من دماغه المنهك وهما آخر يخلقه اليأس ليعذبه أكثر.
همس بصوت بالكاد خرج من صدره كمن يخشى أن يوقظ حلما هشا
يا إلهي
قبض على مسندي الكرسي بقوة حتى ابيضت مفاصله وارتعشت ذراعاه. كانت يداه ترتجفان لا من الضعف بل من الرعب رعب الرجاء.
صرخت روزا وقد اتسعت عيناها فزعا
سيدي لا تتحرك! أرجوك ستسقط!
لكن فرناندو لم يسمعها جيدا.
كان يبكي ويضحك في آن واحد.
ضحكة مختنقة خرجت من بين دموع حارقة كأن روحه انشقت نصفين.
قال بصوت مبحوح
اصمتي يا روزا أرجوك فقط ساعديني.
دفع بجسده إلى الأمام ببطء شديد كمن يسير فوق زجاج
لأول مرة منذ ذلك اليوم المشؤوم شعر بشيء.
لم يكن ألما.
لم يكن راحة كاملة.
كان إحساسا غريبا إحساس العودة.
شعر بأن ساقيه رغم ضعفهما تحاولان الطاعة.
مرتعشتين واهنتين كالهلام.
لكنهما تحملان الوزن.
شهقت روزا ووضعت يدها على فمها والدموع تنهمر دون وعي.
اقترب سيرخيو بخطوات صغيرة وأمسك بيد فرناندو الأخرى كأنه يفعل الأمر ذاته الذي يفعله طفل مع أبيه حين يتعلم المشي.
بجهد خارق وبمساعدة روزا من جهة وسيرخيو من الجهة الأخرى
وقف فرناندو.
وقف.
لم يكن وقوفا مستقيما.
لم يكن ثابتا.
كان جسده يتمايل وركبتاه ترتجفان وظهره منحن قليلا.
لكنه كان واقفا.
دام ذلك ثلاث ثوان فقط.
ثلاث ثوان لكنها كانت أثمن من كل حساباته البنكية
أغلى من ناطحات السحاب
وأعظم من كل صفقاته التي ملأت عناوين الصحف.
ثم خارت قواه وسقط على ركبتيه فوق العشب الرطب.
لم يشعر بالألم.
بل شعر بشيء آخر.
العشب.
برودته.
خشونته.
حقيقته.
احتضن سيرخيو بقوة
كان يبكي بصوت عال بكاء لم يعرفه منذ طفولته.
صرخ وهو يقبل رأس الطفل المتسخ
أشعر بالعشب!
أشعر ببرودة العشب على ركبتي!
سقطت روزا على ركبتيها هي الأخرى وراحت تصلي بلا ترتيب بلا كلمات واضحة فقط دموع ودعاء وذهول.
كانت ترى معجزة بعينيها
لكن عقلها لم يكن قادرا على ملاحقتها.
في اليوم التالي اجتمع الأطباء حول فرناندو في مستشفى أنخليس.
فحوصات صور رنين تحاليل متكررة.
كانوا يتهامسون يقطبون جباههم ويعيدون النظر في الشاشات.
قال أحدهم أخيرا
الإصابة ما زالت موجودة لكن
تردد ثم أكمل
هناك نشاط عصبي جديد.
كأن الأعصاب صنعت جسورا.
سأل فرناندو بصوت خافت
هل هذا ممكن
تبادل الأطباء النظرات ثم قال كبيرهم
علميا لا تفسير واضح.
سنكتب في الملف معجزة طبية.
ابتسم فرناندو.
لأول مرة منذ عامين ابتسامة حقيقية.
وفى فرناندو بوعده تقريبا.
لم يمنحهما ثروته ليلقي بهما في بحر لا يعرفان السباحة فيه.
بل فعل ما هو أعمق وما هو أذكى وما هو أنبل.
اشترى بيتا دافئا لروزا وسيرخيو باسمها وحدها.
تكفل بتعليم سيرخيو في أفضل المدارس حتى آخر يوم في الجامعة.
وأسس مؤسسة سيرخيو لتكون يدا تمتد لكل طفل يعاني إعاقة ولكل أم تبكي في صمت.
خضع فرناندو للعلاج الطبيعي أشهرا طويلة.
كان الألم قاسيا.
السقوط متكررا.
لكن هذه المرة كان يعرف أن الطريق له نهاية.
بعد ستة أشهر مشى.
ليس بسرعة.
ليس بثبات كامل.
لكنه مشى.
ولم يعد الرجل نفسه.
لم يعد قرش الأعمال.
لم يعد الرجل الذي يقيس كل شيء بالأرقام.
صار يرى كل أحد في الحديقة العامة بلا حراسة بلا مظاهر.
يمشي متكئا قليلا يركل كرة قدم بقدم ما زالت تتعلم الحياة.
إلى جانبه طفل
ليس موظفا ولا خادما ولا تابعا.
بل عرابه
ومنقذه
وأقرب أصدقائه.
تعلم فرناندو أخيرا أن المال مجرد ورق
وأن السلطة مجرد وهم
وأن الجسد قد ينكسر لكن الروح لا تشفى إلا بالإيمان.
إيمان طفل بريء
إيمان لا يعرف الحسابات
إيمان يقول ما لا تجرؤ العلوم على قوله.
فحين تقول العلوم مستحيل
تهمس العقيدة بهدوء
الآن.