هربت من مصير كان ينسج لها همسا
بعض الحكايات لا تُروى، بل تُنزَف. وحين انتهيت، لم تقل كلمة واحدة في البداية. الصمت هذه المرّة لم يكن خيانة… بل احتواء.
قالت أخيرًا:
«تعالي إليّ الآن.»
ثلاث كلمات فقط…
لكنها أعادت لي عنواني في هذا العالم.
عندما أغلقتُ الهاتف، لم أعد المرأة التي صعدت الحافلة قبل دقائق.
شيء ما انكسر…
وشيء آخر، أقسى، أصلب، وُلد في مكانه.
كنتُ أعلم أنهم حين يستيقظون، سيجدون الغرفة فارغة.
سيفهمون متأخرًا أن القفص الذي أعدّوه لي… بقي بلا طائر.
لكنّهم لن يصمتوا.
وسيبحثون.
وسيحاولون إعادة كتابة الحكاية بطريقة تجعلهم الضحية.
غير أنّهم لا يعلمون بعد أن الظرف لم يكن مجرّد أوراق…
بل كان دليل الإدانة.
والآن، لم أعد أهرب…
بل أستعدّ للعودة،
لا كأمّ خاضعة،
بل كشاهدة،
وكخصم،
وكصوتٍ لم يعد يقبل الهمس.
جلستُ على المقعد المعدني وكأنني أجلس على حافة عمري كلّه.
الشارع
كنت أسمع دقّات قلبي أوضح من صوت المدينة، وأشعر بأن الظرف في حقيبتي ينبض معي، كأنه يحمل سرًّا أثقل من الورق.
حين وصلت الحافلة، لم تئنّ كما تفعل الحافلات القديمة، بل توقّفت بهدوء مريب، كأنها جاءت خصيصًا لي وحدي. صعدتُ دون أن أنظر إلى الخلف. فالخلف كان بيتًا قرّر سجني، ووجهًا تعلّم أن يصمت، وامرأةً اختارت أن تهمس بدل أن تقتلني دفعة واحدة.
اخترتُ مقعدًا قرب النافذة.
النافذة كانت مرآتي الأخيرة لتلك الحياة التي أغلقتها خلفي دون وداع.
رأيتُ الأعمدة تتراجع، والبيوت تنكمش، والشارع الذي مشيتُه حافيةً يبتعد عني كجلدٍ قديمٍ أخلعه أخيرًا.
فتحتُ الظرف.
كانت الأوراق مرتّبة بعناية قاسية، كأن يدًا خبيرة رتّبت مصيري كما تُرتَّب الملفات المنسيّة في أدراج مكاتب باردة.
نماذج تحويل.
نماذج موافقة.
تقارير طبّية
وتوقيع…
توقيع باسمي.
ليس توقيعي.
شعرتُ حينها أن الهواء صار أثقل من أن يُتنفَّس. لم يحاولوا السيطرة على جسدي وحده… كانوا يسرقون هويتي ببطء، باسمي، وبصمتي، وبصوتٍ صامت لم أُطِق الدفاع عنه في الوقت المناسب.
الآن فقط فهمتُ معنى تلك الهمسة.
لم تكن حبسًا عابرًا.
كانت إلغاءً كاملًا.
ضغطتُ الورقة بين أصابعي حتى انجرحت كفّي من حافتها، ولم أشعر بالألم. بعض الصدمات لا تُوجِع، بل تُطفئ كل شيء حول الوجع.
مرّت الحافلة في شوارع لا أعرفها.
كنتُ أجهل إلى أين أذهب، لكنني كنتُ أعرف تمامًا ممّا أهرب.
وهذا، في بعض اللحظات، يكفي.
أخرجتُ هاتفي القديم من جيبي.
ذلك الهاتف الذي تركوه لي لأنهم اعتبروه بلا قيمة.
بحثتُ باسمٍ لم أتّصل به منذ سنوات.
صديقة قديمة…
امرأة كانت تعرفني قبل أن أصير عبئًا في نظر نفسي.
رنّ الهاتف طويلًا.
وفي كلّ رنّة
ثم جاء صوتها:
«أهذا أنتِ؟»
عندها فقط…
انهرتُ.
لم أبكِ لأنني ضعيفة، بل لأنني نجوت.
قلتُ لها كل شيء دفعة واحدة، دون ترتيب، دون تبرير. بعض الحكايات لا تُروى، بل تُنزَف. وحين انتهيت، لم تقل كلمة واحدة في البداية. الصمت هذه المرّة لم يكن خيانة… بل احتواء.
قالت أخيرًا:
«تعالي إليّ الآن.»
ثلاث كلمات فقط…
لكنها أعادت لي عنواني في هذا العالم.
عندما أغلقتُ الهاتف، لم أعد المرأة التي صعدت الحافلة قبل دقائق.
شيء ما انكسر…
وشيء آخر، أقسى، أصلب، وُلد في مكانه.
كنتُ أعلم أنهم حين يستيقظون، سيجدون الغرفة فارغة.
سيفهمون متأخرًا أن القفص الذي أعدّوه لي… بقي بلا طائر.
لكنّهم لن يصمتوا.
وسيبحثون.
وسيحاولون إعادة كتابة الحكاية بطريقة تجعلهم الضحية.
غير أنّهم لا يعلمون بعد أن الظرف لم يكن مجرّد أوراق…
بل كان دليل الإدانة.
والآن، لم أعد أهرب…
بل أستعدّ للعودة،
لا كأمّ خاضعة،
بل كشاهدة،
وكخصم،
وكصوتٍ لم يعد يقبل الهمس.