هربت من مصير كان ينسج لها همسا
في تلك الليلة، لم أهرب من بيت ابني فحسب… بل من مصيرٍ كان يُنسَج لي همسًا.
كانت الهمسة قصيرة، باردة، حاسمة:
«غدًا سنقفل عليها.»
لكنها اخترقتني كالسهم، واستقرّت في صدري كحكمٍ لا يقبل الاستئناف. لم تكن صرخة، ولا تهديدًا صريحًا، بل قرارًا نُطق به بثقة من يعرف أن الطريق مُمهَّد، وأن الضحية لن تُقاوم.
هناك، في عتمة الغرفة، أدركتُ هشاشتي كما لم أدركها من قبل. أدركتُ أن ما حسبته أمانًا لم يكن سوى قفصٍ أنيق، وأن ما ظننته حنانًا لم يكن سوى تمهيدٍ للاحتواء، ثم الإقصاء.
شهران كاملان وأنا أخدع نفسي باسم المنطق. بعتُ بيتي بيديّ، وسلّمتُ تعبي وعمري في تحويلٍ بنكيّ بارد إلى حساب ابني، وقلت:
هكذا تفعل الأمهات حين يكبرن.
لكنني كنتُ في الحقيقة أتنازل عن نفسي قطعةً قطعة، حتى لم يبقَ مني سوى جسدٍ ينتظر قرار الآخرين.
بيتهم كان نظيفًا أكثر مما ينبغي، مرتبًا إلى حدّ يشي بأن الفوضى الوحيدة فيه هي وجودي. سارة كانت تتحكّم دون صراخ، تقتل بالابتسامة، وتُحدّد لي مساحتي بالملليمتر: هذا ليس لك، ذاك ليس لك، حتى الهواء بدا وكأنه مستعار.
وفي تلك
أما ابني… فكان صمته أعلى من أيّ موافقة.
حينها فقط، فهمتُ كل شيء.
سحبتُ حقيبتي من تحت السرير كما تُسحَب روح من قبرها. طويتُ ثيابي بيدين ترتجفان لا من الخوف، بل من الاستفاقة. وضعتُ الظرف بينهم، ذلك الظرف الذي لم يكن من المفترض أن أراه، والذي حمل اسمي كما تُحمَل التهم على الملفات السوداء.
لم أبكِ.
الساعة كانت تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل، والقرار كان قد اتُخذ في داخلي قبل أن أتّخذه بلساني.
خرجتُ حافيةً إلى الشارع.
البيوت مصطفّة كوجوهٍ بلا ملامح، نظيفة، صامتة، متواطئة.
كان الإسفلت باردًا، لكنّه كان الحقيقة الوحيدة الدافئة تحت قدميّ.
لم ألتفت طويلًا.
فالالتفات ضعف.
والضعف كان ترفًا لم يعد مسموحًا لي.
عند زاوية السرو والقيقب، وقفتُ أمام محطّة الحافلة كمن يقف أمام بوابة نجاةٍ أخيرة. اثنتا عشرة دقيقة فقط تفصلني عن مكانٍ لا يُعرف، لكنه على الأقل ليس سجني.
ذلك الظرف في حقيبتي لم يكن أوراقًا…
كان سلاحي الوحيد.
وهناك، على المقعد
أن الصمت شراكة.
وأن الطاعة بلا وعي انتحار بطيء.
وأن العائلة، حين تخون، تفعل ذلك باسم الحب.
في تلك الليلة، لم أستعد بيتي…
بل استعدتُ اختياري.
جلستُ على المقعد المعدني وكأنني أجلس على حافة عمري كلّه.
الشارع ساكن، والسكون ليس طمأنينة، بل كمين طويل النفس.
كنت أسمع دقّات قلبي أوضح من صوت المدينة، وأشعر بأن الظرف في حقيبتي ينبض معي، كأنه يحمل سرًّا أثقل من الورق.
حين وصلت الحافلة، لم تئنّ كما تفعل الحافلات القديمة، بل توقّفت بهدوء مريب، كأنها جاءت خصيصًا لي وحدي. صعدتُ دون أن أنظر إلى الخلف. فالخلف كان بيتًا قرّر سجني، ووجهًا تعلّم أن يصمت، وامرأةً اختارت أن تهمس بدل أن تقتلني دفعة واحدة.
اخترتُ مقعدًا قرب النافذة.
النافذة كانت مرآتي الأخيرة لتلك الحياة التي أغلقتها خلفي دون وداع.
رأيتُ الأعمدة تتراجع، والبيوت تنكمش، والشارع الذي مشيتُه حافيةً يبتعد عني كجلدٍ قديمٍ أخلعه أخيرًا.
فتحتُ الظرف.
كانت الأوراق مرتّبة بعناية قاسية،
نماذج تحويل.
نماذج موافقة.
تقارير طبّية لم أطلبها.
وتوقيع…
توقيع باسمي.
ليس توقيعي.
شعرتُ حينها أن الهواء صار أثقل من أن يُتنفَّس. لم يحاولوا السيطرة على جسدي وحده… كانوا يسرقون هويتي ببطء، باسمي، وبصمتي، وبصوتٍ صامت لم أُطِق الدفاع عنه في الوقت المناسب.
الآن فقط فهمتُ معنى تلك الهمسة.
لم تكن حبسًا عابرًا.
كانت إلغاءً كاملًا.
ضغطتُ الورقة بين أصابعي حتى انجرحت كفّي من حافتها، ولم أشعر بالألم. بعض الصدمات لا تُوجِع، بل تُطفئ كل شيء حول الوجع.
مرّت الحافلة في شوارع لا أعرفها.
كنتُ أجهل إلى أين أذهب، لكنني كنتُ أعرف تمامًا ممّا أهرب.
وهذا، في بعض اللحظات، يكفي.
أخرجتُ هاتفي القديم من جيبي.
ذلك الهاتف الذي تركوه لي لأنهم اعتبروه بلا قيمة.
بحثتُ باسمٍ لم أتّصل به منذ سنوات.
صديقة قديمة…
امرأة كانت تعرفني قبل أن أصير عبئًا في نظر نفسي.
رنّ الهاتف طويلًا.
وفي كلّ رنّة كنتُ أستعدّ لسقوطٍ جديد.
ثم جاء صوتها:
«أهذا أنتِ؟»
عندها فقط…
انهرتُ.
لم أبكِ لأنني ضعيفة، بل لأنني نجوت.
قلتُ لها كل شيء دفعة واحدة، دون ترتيب، دون تبرير.