عاد الملياردير الى منزله دون سابق إنذار
عاد الملياردير بنجامين سكوت إلى منزله في ذلك اليوم وهو يغلي من الغضب. كان يوما سيئا في المكتب يوما كاد أن يلتهم أعصابه. دفع باب المنزل بقوة يدخل دون أن يعلم أحدا وهو يتوق فقط إلى السقوط داخل الصمت الذي ابتلع هذا البيت طوال ثمانية أشهر.
لكنه سمع حينها ما لم يتوقعه ضحك.
ضحكة طفله. ضحكة حقيقية.
تجمد في مكانه.
أبناؤه الثلاثة ريك ونيك وميك لم يضحكوا منذ وفاة والدتهم. ولا مرة واحدة.
وقف مصعوقا يطارد الصوت كأنه رجل سمع صوت شبح يعرفه. وحين فتح باب غرفة الشمس رأى ما حطم كل ما بداخله.
كان ذلك اليوم قاسيا.
اجتماعات متتالية في مانهاتن.
إطلاق مشروع فاشل.
مستثمرون ينسحبون.
مجلس إدارة يشكك في كل ما بناه طوال حياته.
وبحلول الرابعة مساء لم يعد قادرا على الاحتمال.
أمسك حقيبته وغادر دون أن يلتفت.
كانت الطريق نحو منزله في غرينتش أطول من المعتاد. يداه تقبضان المقود بقسوة وأفكاره تطن بلا توقف.
غضب يثقل صدره من العمل ومن الظروف ومن القدر الذي أخذ منه زوجته أماندا وتركه مع ثلاثة أبناء لم يعد يعرف كيف يصل إليهم.
وحين توقف بسيارته أمام المنزل لم يشعر بشيء.
فقط إنهاك فارغ.
دخل البيت مفكا رابطة عنقه يتوقع ما اعتاده دائما الصمت.
ذلك الصمت الذي يذكره كل يوم أن أماندا رحلت وأن أبناءه فقدوا طفولتهم معها.
لكن اليوم كان مختلفا.
سمع ضحكا ضحكا حقيقيا عفويا عميقا من النوع الذي يرتج له الصدر.
تجمد.
أبناؤه الثلاثة يضحكون
بعد ثمانية أشهر من الجحيم
بعد تلك الليلة حين سلبت منهم أمهم على يد سائق مخمور بينما خرجت لشراء دواء لهم
لقد تحولوا بعدها إلى ظلال يخشون إصدار صوت يخشون الفرح يخشون الحياة نفسها.
لكن الآن كانوا يضحكون.
سقطت حقيبته من يده.
اندفع يتبع الصوت قلبه يخبط بقسوة تكاد تؤلمه حتى وصل إلى الممر المؤدي إلى غرفة الشمس المكان الذي كانت أماندا تعشقه.
فتح الباب وتوقفت أنفاسه.
جين موريسون الشابة التي استقدمتها حماته قبل شهر كانت على يديها وركبتيها على الأرض
وأبناؤه الثلاثة على ظهرها وجوههم تلمع بابتسامة لم يرها منذ رحيل والدتهم.
كان ميك يمسك بحبل حول كتفيها كأنه يمسك زمام حصان.
وجين تضحك وتصدر صوت صهيل تهز رأسها يمينا ويسارا كأنها
لم يستطع بنجامين أن يتحرك.
لم يستطع أن يتنفس.
أبناؤه الذين يستيقظون ليلا وهم يصرخون
والذين بالكاد يتحدثون
والذين يسألونه كل يوم متى تعود ماما
كانوا الآن يلعبون يعيشون يبتسمون.
وليس بفضله.
بل بفضلها.
امرأة بالكاد يعرفها.
امرأة فعلت ما عجز عنه هو وما عجز عنه ماله وما عجز عنه حزنه
أعادت أبناءه إلى الحياة.
ذاب غضبه كله.
تحول إلى شيء آخر شيء لم يفهمه بعد.
ارتياح وخجل وامتنان مؤلم إلى حد شعر معه بأن صدره ينهار من الداخل. ثم رفعت جين رأسها. التقت عيناها بعينيه. خمد الضحك فورا. لمع الخوف في ملامحها. تجمدت في مكانها. سكت الأولاد وانزلقوا عن ظهرها واقتربوا منها كأنهم يحتمون بها أو يحمون شيئا هشا يقف بينها وبين العالم. وقف بنجامين في العتبة غير قادر على الكلام.
كان حلقه ضيقا إلى درجة مؤلمة. وتشوش بصره. فتحت جين فمها لتقول شيئا لكن لم يخرج أي صوت. كان عليه أن يقول كلمة ما أن يفعل شيئا ما لكن كل ما استطاع فعله هو التحديق في هذه المرأة التي أعادت إلى أبنائه حياتهم. أومأ لها إيماءة صغيرة. ثم استدار وغادر قبل أن تنهمر دموعه.
لم يفهم ما الذي حدث للتو. لم يعرف هل يصح أن يشعر بكل هذا الامتنان تجاه شخص يفترض أنها مجرد عاملة عنده. لكن شيئا واحدا كان واضحا للمرة الأولى منذ وفاة أماندا كان أبناؤه يضحكون. وربما أن الله أرسل جين موريسون لحكمة ما.
تذكر وهو يتحدث مع نفسه قبل أن نكمل لا تنس أن تتابع القناة وتضغط إعجاب وتخبرني من أي بلد في العالم تتابع هذه القصة. أحيانا يضع الله أشخاصا في حياتنا تماما في اللحظة التي نحتاجهم فيها أكثر من أي وقت.
في تلك الليلة لم ينم بنجامين. جلس في مكتبه والأضواء مطفأة يحدق في الفراغ. لم تفارق ذهنه تلك الصورة جين على الأرض وأبناؤه الثلاثة يضحكون. ذلك الصوت يا الله ذلك الصوت ظل يتردد في رأسه مرة بعد مرة حتى ظن أنه سيفقد عقله. وظل يطرح على نفسه السؤال ذاته كيف فعلت ذلك
لقد جرب كل شيء. بعد وفاة أماندا قرأ كل كتاب استطاع الوصول إليه عن حزن الأطفال. استعان بالدكتورة باتريشا تشين أفضل أخصائية نفسية للأطفال في كونيتيكت. كانت تأتي مرتين في
اشترى لهم ألعابا جديدة ظنا أن لفت انتباههم قد يساعد. عدل جداولهم اليومية وضع لهم روتينا ثابتا تأكد من أنهم يتناولون طعاما صحيا ويخرجون كل يوم. فعل كل ما أوصى به الخبراء. ولم ينجح شيء. صار الصبية أكثر صمتا وأصغر حضورا كأنهم يتلاشون أمام عينيه.
ثم ظهرت جين موريسون.
استند بنجامين إلى كرسيه يفرك وجهه بكلتا يديه. لم يتذكر حتى اللحظة التي وافق فيها على تعيينها. كانت حماته باتريشا قد اتصلت به ذات ظهر وهو في منتصف اجتماع استحواذ. أخبرته أن المربية الرابعة استقالت قالت شيئا عن جو ثقيل في المنزل وأنها وجدت شخصا جديدا شخصا مختلفا. بالكاد أصغى لها. قال لها نعم وعاد إلى اجتماعه. كان ذلك قبل شهر. أما الآن فلم يستطع التوقف عن التفكير في جين.
من تكون من أين جاءت ما الذي جعلها مختلفة عن كل من حاولوا وفشلوا في الوصول إلى أبنائه
أخرج هاتفه وفتح الملف الذي أرسلته له باتريشا. طلب التوظيف الخاص بجين. لم يكن قد قرأه من قبل. العمر 27 عاما. مراجع من عائلة في بوسطن. لا شهادة جامعية. وفي أسفل الورقة ملاحظة مكتوبة بخط اليد أنا أفهم الحزن. لن أفر منه.
ظل بنجامين يحدق في هذه الكلمات طويلا. معظم الناس يفرون من الحزن. يعرف ذلك جيدا الآن. لا يعرفون ما يقولون فيصمتون. لا يعرفون كيف يساعدون فيبتعدون. حتى أقرب أصدقائه توقفوا عن الاتصال بعد الجنازة. كان من الأسهل للجميع أن يتظاهروا أن عائلة سكوت بخير وأن الأمور تمضي.
لكن جين لم تهرب.
دخلت إلى أثقل بيت في غرينتش وبطريقة ما جعلته يبدو أخف.
في صباح اليوم التالي نزل بنجامين إلى الأسفل أبكر من المعتاد. قال لنفسه إن لديه مكالمة مبكرة مع طوكيو لكنه كان يعرف الحقيقة. كان يريد أن يراها. كانت جين بالفعل في المطبخ تتحرك بهدوء وهي تحضر الفطور. لم تسمعه وهو يقف في عتبة الباب يراقبها. لم تكن تفعل شيئا مميزا فقط تخفق البيض وتسكب عصير البرتقال. لكن الطريقة التي تتحرك بها هدوؤها حضورها جعلته يشعر وكأنها تنتمي إلى هذا المكان.
دخل الصبية الثلاثة يركضون لا يزالون
جين جين! هل يمكن أن نلعب لعبة الحصان مرة أخرى اليوم
انقبض صدر بنجامين.
رفعت جين نظرها ورأته واقفا هناك. تلاشت ابتسامتها للحظة كأنها لا تزال غير متأكدة إن كانت في مشكلة. قالت بصوت خافت
صباح الخير سيد سكوت.
قال بنجامين. خرج صوته أخشن مما أراد.
فقط بنجامين.
أومأت برأسها وعادت إلى الموقد.
شد ريك طرف قميصها
جين هل هل يمكننا
قالت بلطف ماذا يا حبيبي
قال مترددا أن نلعب الحصان مثل البارحة.
ترددت جين ونظرت بسرعة إلى بنجامين. كان يجب أن يقول لا. كان عليه أن يذكرهم أن لدى جين عملا تقوم به وأن اللعب ليس مذكورا في وصف وظيفتها. لكنه لم يفعل. وبعد الفطور سمع نفسه يقول بعد الفطور.
ثلاثة أزواج من العيون التفتت نحوه. أبناؤه الثلاثة مصدومون لأنه قال نعم. وجين متفاجئة لأنه ليس غاضبا.
رددت جين بهدوء بعد الفطور. ثم ابتسمت للصبية الآن اجلسوا
وتناولوا طعامكم.
أطاعوا دون جدال.
سكب بنجامين لنفسه قهوة وجلس في الطرف الآخر من الطاولة يراقب. بدأ الأولاد يتحدثون إلى جين أثناء تناولهم الطعام. لم تكن أحاديث كاملة بعد فما زالوا غير مستعدين لذلك لكنها جمل صغيرة. أخبرها ميك عن حلم رآه. سألها نيك إن كانت تحب الديناصورات. أما ريك فجلس قربها فقط وكأن قربه منها وحده يكفيه.
وجين كانت تنصت. تنصت فعلا كأن كل كلمة يقولونها أهم شيء في العالم.
حينها أدرك بنجامين شيئا جعل حلقه يضيق من جديد. لم تكن فقط جيدة معهم. لقد أحبتهم. وهم أحبوها أيضا.
وللمرة الأولى منذ ثمانية أشهر شعر بنجامين بشيء ظنه مات داخله الأمل.
بدأ يعود إلى المنزل مبكرا. يقول لنفسه إن العمل يخف لكن الحقيقة كانت أصعب اعترافا. كان يريد أن يراهم. يريد أن يسمع ضحكاتهم. يريد أن يرى كيف تبث جين الحياة في البيت الذي كان ميتا منذ رحيل أماندا.
معظم الأيام كان يجدهم في غرفة اللعب أو في الحديقة. يرى جين جالسة على العشب يحيط بها الأولاد تقرأ لهم أو تساعدهم على البناء بالمكعبات. لم تكن تتصرف كما لو أنها تؤدي عرضا أمامه. لم تكن تبدل سلوكها حين تراه. كانت فقط تحبهم بهدوء وبطبيعية كأن هذا أسهل شيء في الدنيا.
كان بنجامين يراقبهم من النافذة
البيت لا يزال يحمل أماندا في كل زاوية.