ابنتك ماتزال حية
الحاويات وجد إميلي مربوطة إلى كرسي وجهها متورم وعيناها حمراء لكنها حية.
إميلي! صاح وهو يفك القيود عنها. ارتمت بين ذراعيه تبكي.
ظننت أنك لن تأتي جعلوني أشاهد الحادث وهم يقولون إنك ستظن أنني مت. كل شيء كان مزيفا الجثة الحادث كله.
احترق قلب جوناثان غضبا وارتجافا. غادروا المكان وسط أصوات سيارات الشرطة التي استدعاها ريفز سرا وقد أعد لهم طريقا آمنا للهرب.
في القصر كانت الأضواء خافتة كأن المكان نفسه يحاول أن يحافظ على سكينة هشة بعد ليلة مضطربة. الأطباء كانوا يتحركون حول سرير إميلي بسرعة محسوبة يتبادلون كلمات قصيرة ويجرون فحوصاتهم بدقة. الأجهزة تصدر أصواتا رتيبة والصمت بين تلك الأصوات كان أثقل من أي ضوضاء.
إميلي مستلقية هناك شعرها الذهبي مبعثر على الوسادة وجسدها الهزيل يشهد على الأيام التي قضتها في خوف وظلام. رغم ذلك كانت عيناها تتحركان ببطء تتفحص كل شيء حولها كأنها تتحقق من أنها حقا في أمان وأن هذا ليس جزءا آخر من الكابوس.
في أحد أركان الغرفة جلس ماركوس كتفاه منحنيتان ويداه ملتفتان حول بعضهما في حضنه. كان يحدق في الأرض وفي داخله شعور غريب متناقض إحساس بالراحة لأنه فعل الشيء الصحيح وإحساس بالرهبة لأنه
اقترب جوناثان بخطوات ثقيلة لكنها لم تكن خطوات رجل ثري بل خطوات أب عاش لحظة ميلاد جديدة قبل ساعات فقط.
وقف أمام ماركوس ونظر إليه نظرة طويلة نظرة رجل يحاول قراءة قلب طفل. ثم جلس بجانبه ببطء وكأنه لا يريد أن يخيفه.
قال بصوت منخفض يحمل شيئا من الشكر وشيئا من الدهشة
لماذا ساعدتنا ما الذي دفعك للمخاطرة
ظل ماركوس صامتا لثوان كأنه يجمع شتات الكلمات المتناثرة داخله. ثم رفع رأسه قليلا لا ينظر مباشرة في عيني جوناثان ولكن يكفي ليظهر ما كان يشعر به.
قال بصوت خافت متقطع يشبه الاعتذار
كنت دائما غير مرئي. لا أحد يراني. لا أحد يهتم بي. كنت أعيش على الهامش في الشوارع في الزوايا التي يتجاهلها الجميع. الناس تمر بجانبي وكأني هواء.
توقفت أنفاس جوناثان وهو ينصت.
تابع ماركوس بصوت يزداد ارتعاشا
لكن عندما رأيتها وهي تبكي وهي مربوطة ومحبوسة شعرت أن الألم اللي شفته في عيونها نفس الألم اللي كان في عيوني طول حياتي. ما قدرت أتركها. ما قدرت أمشي وكأني ما شفت شيء.
رفع كتفيه قليلا وهو يهمس
قلت يمكن إذا أنقذتها إذا ساعدتها يمكن شخص واحد بس ينظر إلي. يمكن أحد يشوفني.
في تلك اللحظة لم يشعر
انقبضت حنجرته وشعر بعقدة تختنق في صوته. لم يكن يبكي لكن شيئا ما كان يقترب من البكاء.
مد يده ببطء ووضعها على كتف ماركوس لمسة أبوية لا تشبه أي كلمة ولا يستحقها سوى قلب مثل قلب هذا الطفل.
قال بصوت مبحوح ولكن ثابت
لقد أنقذت ابنتي يا ماركوس أنقذتها بطريقة لم يقدر عليها أحد. ومن اليوم لن تنام في الشوارع مرة أخرى. هذا وعد.
رفع ماركوس رأسه فجأة كمن سمع شيئا لم يحلم أن يسمعه طوال حياته. كان في عينيه ذهول وفرح وشعور بالخوف من أن يكون كل هذا مجرد حلم سينتهي.
لكن جوناثان ابتسم تلك الابتسامة المتعبة التي تظهر حين ينهار جبل من الألم ويبدأ جبل جديد من الأمل.
مرت الأيام التالية كأنها عالم جديد.
إميلي بدأت تتعافى ببطء لكن بثبات. كل صباح كانت تقف على النافذة تنظر إلى الشمس وكأنها ترى العالم لأول مرة. الأمن كان مشددا والتحقيقات لم تتوقف لحظة.
وفي النهاية ظهرت الحقيقة كاملة قاسية وخادعة.
المدبر لم يكن غريبا بل كان شريك جوناثان الرجل الذي كان يجلس معه يوميا يأكل معه يوقع معه الصفقات. خطط لخطف إميلي وتزوير موتها
سقط القناع وانهار الخائن واقتيد مكبلا بالأصفاد.
أما ماركوس فقد بدأ يتغير.
لم يعد يخاف من النوم في غرفة كبيرة دافئة.
لم يعد يقفز وهو يأكل خوفا من أن تنتزع منه اللقمة.
بدأ يألف الكتب. يسأل المدرسين. يتعلم بسرعة مذهلة.
وكان كل يوم يمر يشبه فتح نافذة في حياة لم يعرفها.
وجوناثان
كان يراقبه من بعيد وأحيانا يقترب ويسأله كيف كان يومك
لم يكن يفعل ذلك مجاملة بل كان يفعلها بقلب رجل شعر أن هذا الطفل ليس مجرد منقذ لابنته بل إضافة لروحه.
أما إميلي فكانت تسير في الحديقة كل يوم تتحدث معه تعلمه وتضحك بجانبه.
كانا يشكلان رابطا غريبا رابطا لا تصنعه الدماء بل تصنعه التجربة الخطر والنجاة.
وفي أحد المساءات مر جوناثان قرب النافذة فرأى مشهدا لم ينسه طيلة حياته
ماركوس يمشي بجانب إميلي وهي تستند عليه قليلا كأن هذا الصبي الضعيف أصبح قوة لها.
توقف جوناثان للحظة يشعر بشيء يشبه الطمأنينة يغمر قلبه.
وبقي التابوت المدفون في بيفرلي هيلز ذاك التابوت الفارغ المليء بالتراب يشهد على خديعة كبيرة. لكنه في الوقت نفسه أصبح رمزا لشيء آخر
رمزا لولادة جديدة.
رمزا لحياة بدأت من تحت الرماد.
لثلاثة أشخاص
بل الشجاعة
والألم
والخلاص.