الصبي المشرد قال الملياردير لا تأكل هذا

لمحة نيوز

عاشها لسنوات ليست إلا طبقة هشة انكسرت اليوم تحت إصبع طفل مشرد.
دخل إلى الردهة الكبيرة خطواته تتردد على البلاط اللامع. ورائحة المنزلالرائحة التي كان يعرفها جيدا مزيجا من الخشب القديم والعطور الراقيةصارت خانقة كأنها تحمل ذكرى امرأة خانت ثقته بمحاولة مؤلمة للتخلص منه.
ترك معطفه على الكرسي دون أن يهتم بترتيبه كما يفعل عادة.
وقف لوهلة في منتصف الردهة ساكنا
ربما كان يحاول أن يفهم أي جزء من حياته بقي ثابتا.
تقدم ببطء إلى مكتبه. الغرفة واسعة جدرانها مغطاة بأرفف الكتب والتحف النادرة. نافذة كبيرة تطل على المدينة وأمامها مكتب من خشب الماهوغني صنع خصيصا له. كان دائما يشعر أن هذه الغرفة هي مركز قوته المكان الذي أعاد فيه بناء إمبراطوريته من الصفر حيث خاض أصعب الصفقات. لكن اليوم بدا المكتب صغيرا محدودا كأنه لا يكفي لاحتواء هذا القدر.
جلس على الكرسي الجلدي ثم مرر يديه على وجهه وكأنه يحاول محو آثار يوم كامل انقلبت فيه حياته.
لم يطل وحده.
دخل رئيس الأمن بهدوء وكأنه يخشى ملامسة هذا الصمت الثقيل. وضع ملفا سميكا على الطاولة ثم قال بصوت منخفض
سيدي لقد وجدنا في سيارة السيدة فيكتوريا زجاجة صغيرة. التحليل الأولي يؤكد أن المادة بداخلها مطابقة تماما للمادة التي كانت في طبقكم.
رفع بنجامين رأسه ببطء.
لا دهشة.
لا صدمة جديدة.
كأنه تجاوز مرحلة الذهول إلى مرحلة أبرد مرحلة يتجمد فيها كل شيء.
قال بصوت مبحوح أشبه بظله
أين هي الآن
أجاب رئيس الأمن
غادرت المنزل قبل ساعات. لدينا تسجيلات كاميرات ترصد خروجها وحدها ومعها حقيبة صغيرة فقط.
ابتلع بنجامين ريقه.
كانت فيكتوريا امرأة تعرف كيف تخفي خوفها وكيف تخطط بهدوء يشبه الهدوء الذي سبق وضع تلك المادة في طبق السلمون.
قال بصوت حازم منخفض
ابحثوا عنها لا أريدها
أن تهرب.
أومأ رئيس الأمن وغادر.
ظل بنجامين جالسا لحظات طويلة ينظر إلى الملف الذي يحوي كل الأدلة. مد يده ببطء فتحه وأخذ يتصفح الصور والوثائق التي تكشف خيانة امرأة عاش معها سنوات ظن فيها أنه يعرفها.
رأى صورا لحسابات خارجية حوالات بالملايين رسائل بريدية تناقش ترتيبات سفر جواز سفر مزيف شعرت معدته بالانقباض.
لم تكن لحظة انفعال عابرة.
لم تكن نزوة.
كانت خطة كاملة لإقصائه من حياتها إلى الأبد.
ثم توقفت عيناه عند صورة للطفل إيفانالصورة التي التقطت بعد الحادثة في المقهى. كان يقف خجولا ممسكا بدبه القماشي وعيناه الواسعتان ما زالتا تحملان أثر الخوف.
همس لنفسه
لو لم يكن موجودا
لم يكمل.
لم يستطع.
رفع رأسه ونظر إلى النافذة.
كانت المدينة تمتد تحت قدميه أضواؤها لا تكف عن الوميض.
كم من الأشياء قد يمتلك الإنسان ثم يتضح في النهاية أن حياته كلها كانت معلقة بصوت طفل مجهول ورجفة يد صغيرة
استيقظه من شروده صوت هاتفه يرن.
كان الاتصال من المستشفى التي نقلت إليها أم إيفان.
رد بسرعة.
كيف حالها
جاءه صوت الطبيب
حالها مستقرة الآن بعد العلاج الأولي لكن تحتاج إلى رعاية مستمرة. النقص في التغذية أثر كثيرا على مناعتها.
شكر الطبيب وأغلق الهاتف.
نهض واقفاليس كالرجل الذي جلس قبل قليل.
بل كأن صدمة اليوم حولته إلى نسخة أعمق وأكثر صمتا.
ارتدى معطفه من جديد وغادر المنزل متجها نحو المستشفى.
كان الليل باردا والريح تحمل رائحة المطر.
في الطريق تذكر وجه فيكتوريا. ضحكتها الناعمة كلماتها الحلوة المصطنعة يدها التي كانت تمسح على كتفه في لحظات التوتر.
وتذكر أيضا تلك المرات القليلة التي شعر فيها أن شيئا ما غير طبيعينظرة طويلة أكثر من اللازم ابتسامة تحتها شيء خفي أسئلة عن أمواله بدلا من اهتمامه
كل الإشارات التي تجاهلها
لأن قلبه اختار أن يكون أعمى.
دخل المستشفى وهو يشعر بأن خطواته أثقل مما يجب.
قادته الممرضة إلى غرفة الأم. كانت نائمة ملامحها هزيلة يداها نحيفتان.
جلس قرب السرير يتأمل وجهها الباهت.
لم يعرفها لم تربطه بها أي علاقة ومع ذلك وجد نفسه يشعر بأنهما في معركة واحدة ضد قسوة الحياة.
سمع حركة صغيرة عند الباب.
التفت.
كان إيفان يقف هناك مترددا يحاول أن يبدو شجاعا رغم صغر سنه. دخل بخطوات صغيرة ثم قال بصوت خافت يخشى أن يوقظ أمه
هل هل ستكون بخير
هز بنجامين رأسه مطمئنا
ستتحسن. الأطباء قالوا ذلك.
اقترب الولد ثم جلس على الكرسي المجاور واحتضن دبه القماشي بشدة.
نظر إلى بنجامين بعينيه العميقتين وقال
هل كانت تلك السيدة تحاول أن تؤذيك بشدة
تجمد الهواء.
لم يكن مستعدا لهذا السؤال لكنه لم يشأ أن يكذب.
نعم كانت تنوي أن تفعل شيئا خطيرا جدا.
لم يتحرك الولد.
ظل صامتا للحظة طويلة ثم قال
أنت طيب لماذا تريد أن تؤذيك
كان السؤال بسيطا لكنه اخترق صدر بنجامين.
كل ما بناه خلال سنواتنجاح نفوذ شهرةلم يكن كافيا لدرء امرأة واحدة اقتربت منه وهي تحمل نوايا مختلفة تماما عن ملامحها الهادئة.
تنهد ببطء وقال
بعض الناس يحبون المال أكثر من أي شيء آخر. وعندما يحبون المال كثيرا ينسون كيف يحبون البشر.
هز الولد رأسه ببطء ولم يفهم كل شيء لكنه فهم ما يكفي.
ظل بنجامين معه حتى غط إيفان في النوم على الكرسي رأسه متكئا على ذراعه الصغيرة.
غطاه بمعطفه ثم خرج بهدوء.
في الخارج كانت السماء تمطر.
وقف تحت المطر شعره ووجهه يبتلان لكنه لم يتحرك.
كان المطر يلطف شيئا داخل روحه يغسل عنه شيئا من الخيانة كأنه يعطيه بداية ثانية.
لم يعرف أن الساعات المقبلة ستحمل خبرا حاسما
بعد دقائق جاءه اتصال من فريق الأمن
سيدي وجدنا السيدة فيكتوريا. كانت
تحاول مغادرة البلاد من مطار خاص. تم إيقافها قبل صعود الطائرة.
أغلق الهاتف وبقي واقفا تحت المطر لا يريد أن يتخذ خطوة واحدة أخرى قبل أن يستوعب كل ما جرى.
شعر بأن العالم الذي كاد أن يخسره يعاد تشكيله أمامه
ليس بنفس الشكل ولكن بطريقة أكثر صدقا.
وبينما كان المطر يزداد غزارة
كان قلبه لأول مرة منذ وقت طويل يهدأ.
عاد بنجامين إلى المنزل تلك الليلة لكن البيت لم يعد كما كان.
كل شيء فيه كان يذكره بفيكتوريا
رائحة عطرها الخافتة على الستائر حقيبتها الموضوعة بجانب المدخل الكؤوس التي كانت تفضلها على الطاولة.
لكن أكثر ما كان يضرب قلبه بقسوة هو الصمت.
لم يكن صمتا عاديا
كان صمتا ثقيلا صمتا يذكره بأن الشخص الذي ظن أنه يعرفه طوال عشر سنوات كان يعيش بجانبه بقناع لا يقل خطورة عن الخطة التي وضعتها للتخلص منه.
جلس في مكتبه لكنه لم يستطع التركيز.
فتح الأدراج واحدا تلو الآخر وجد رسائلها صورها الملاحظات القصيرة التي كانت تتركها على مكتبه
لا تنس تناول الدواء.
أراك بعد الاجتماع.
اشتقت إليك.
قرأها واحدا واحدا وكأن قلبه يصفع مع كل كلمة.
كيف استطاعت أن تكتب تلك الجمل بيد كانت تخطط لإبعاده عن الدنيا بصمت
كيف استطاع أن يشاركها سريره وهو لا يعرف شيئا عما يختبئ تحت جلدها
فجأة اهتز هاتفه.
رسالة من ريموند
وجدنا سيارة فيكتوريا متروكة قرب طريق قديم غرب المدينة.
نهض بنجامين بسرعة ارتدى معطفه وانطلق مع فريق الأمن إلى الموقع.
كانت الليلة باردة والبخار يتصاعد مع أنفاس الرجال من شدة التوتر.
السيارة وجدت مركونة قرب سياج حديدي صدئ أبوابها مغلقة لكن المفاتيح بداخلها.
علامة واضحة على أنها غادرت على عجل.
فتح رجال الأمن الباب الخلفي.
كان هناك صندوق صغير كرتوني مغلق بلاصق رخيص.
فتحه ريموند ببطء وبداخل الصندوق كانت
هناك
جواز سفر مزور
رزمة نقود كبيرة
زجاجة العطر ذاتها التي كانت تضعها دائما
ودفتر ملاحظات
أسود صغير الحجم
مد
تم نسخ الرابط