في زمنٍ غير بعيد… قصَّ عليّ والدي، وأنا صغيرة

لمحة نيوز

في زمنٍ غير بعيد…
قصَّ عليّ والدي، وأنا صغيرة، قصةً غريبة عن غولٍ يعيش بين الناس.
قال لي:
احذريه يا ابنتي، فهو لا يسكن الكهوف ولا الغابات… بل يعيش بيننا، في العيون التي تلهث خلف السراب.

ضحكتُ وقلتُ: غول؟ من دون أنياب؟
ابتسم والدي بحزنٍ وقال:

له أنيابٌ خفية، يسرق الأحلام دون أن يترك أثرًا.

ومنذ تلك الليلة، بدأت أراه في كل مكان…
في الشاشات، في الضحكات الصاخبة، في العيون التي تنطفئ ببطءٍ رغم بريقها.
كنت أراه يقترب من الأطفال والشباب، يقدّم لهم الحلوى، الألعاب، الشهرة، والضحك السهل.
وكانوا جميعًا يضحكون معه… حتى يبتلعهم بهدوء.

أما أنا، فكنت الوحيدة التي شعرت بخطره،
لكن لم يصدقني

أحد.

حاول أن يخدعني،
جاءني متزينًا بالألوان والوعود وقال لي:

تعالي، سأجعلك نجمة! فقط اتركي كتبك الثقيلة، واتّبعي صوتي، فالعالم يحب من يلهو لا من يفكر.

ترددتُ لحظة… ثم نظرت إلى كتبي الصغيرة الملقاة على الطاولة،
فشعرت أنها تناديني بصمتها.
شيءٌ في داخلي كان يهمس:

احمِ الكلمة، فحين تسقط الكلمة، يسقط كل شيء.

ومن هنا بدأت رحلتي.

كنتُ صغيرة، لا أملك سوى الإيمان والعلم والكتب،
لكن الغول لم يكن يرحم.
بدأ يرشقني بكلماتٍ جارحةٍ كالسكاكين:

من تراكِ تظنين نفسك؟ من يسمع فتاة صغيرة مثلك؟ الناس تريد التسلية، لا الوعي!

ضحك كثيرون، وسخر آخرون،
قالوا إنني أضيع وقتي،
لكن كل كلمةٍ مؤلمة كانت

تضع في قلبي بذرة قوةٍ جديدة.

فجمعت كتبي حولي، وبدأت أبني منها جدارًا،
جدارًا من الصفحات والحروف،
ممزوجًا بـ خرسانة الصبر والعزيمة.
كل مرة كنت أتألم فيها، كنت أضيف كتابًا جديدًا إلى الجدار،
حتى صار حصنًا يحميني من غدر الغول ومغرياته.

حاول إسقاطه بكل ما يملك…
أرسل عليّ العواصف، الوعود، الشهرة السهلة، والأصوات العالية.
لكن الجدار ظل صامدًا،
لأن كل كتابٍ فيه كان يحمل قصة جرحٍ انتصرت عليه،
وفكرةً أنقذتني من السقوط.

اقترب الغول يائسًا، جراحه تنزف،
وقال بصوتٍ متهدّجٍ وهو يضرب الجدار:

ما هذا الذي تبنينه؟ من أين تأتيكِ هذه القوة؟

فأجبته وأنا أنظر إليه من خلف الجدار:

“من الكلمات التي

تخشاها،
من الكتب التي تظنها مملة،
من العلم الذي لا تجرؤ على مواجهته.”

تراجع الغول خطوةً إلى الوراء،
ثم حاول الصراخ، لكن صوته اختنق وسط ضوءٍ ساطعٍ انبعث من الجدار.
كان ضوء الكتب… ضوء الوعي والمعرفة.
تفتّت الغول شيئًا فشيئًا،
وتحوّل إلى غبارٍ تذروه الرياح.

عمّ الصمت…
ثم انشقّ الجدار، وخرج منه نورٌ عظيمٌ على هيئة فتاةٍ صغيرةٍ تحمل كتابًا بيدها.
كانت تلك أنا.

وقفتُ على أنقاض الغول، والدموع تملأ عيني، وقلتُ:

هكذا بدأت قصتي… صغيرةً، محاطةً بالانتقادات،
لكني تمسكت بحبل العلم، وجعلت من الكتب جدارًا لا يسقط.

واليوم، كلما رأيت غولًا جديدًا يولد في عالمنا،
أبتسم وأفتح كتابًا جديدًا،
لأبني

به جدارًا آخر
لأن الكتب لا تكتفي بقتل الغول، بل تخلق فينا ضوءًا لا ينطفئ.

تم نسخ الرابط