السبت الذي أعاد ابنتي
المحبوب الذي لا ينتهي مخزونه من الوجبات الخفيفة والقصص.
أما ماديالطفلة التي بدأت الحقيقة بكلمة منهافقد تكفل مايكل بعلاج أمها وتأمين منزل ثابت لهما ورعايتهما دون أن يسمي ذلك صدقة أو فضلا. كان يقول دوما إنه دين لن يستطيع رده بالكامل.
مر عام. ثم آخر.
شاركت آفا في فريق الكرة الطائرة.
وتعلمت ليلي الرسم وامتلأت جدران منزلهم بلوحاتها.
وفي بعض الأمسيات طلبتاه أن يقرأ لهما القصص التي كان يقرؤها قبل النوم قبل سنوات.
وحين كان يخرج من غرفتهما ذات ليلة قالت آفا بصوت خافت
شكرا لأنك لم تتوقف عن زيارتنا في المقبرة لو أنك توقفت لما رأتك مادي.
شعر مايكل بأن قلبه ينكمش ويتسع في اللحظة نفسها.
قال لها والابتسامة تهتز على شفتيه
لم يكن بإمكاني يوما أن أتخلى عنكما لا في الماضي ولا الآن ولا يوما ما.
عانقتاه معاعناقا أعاد تركيب روحه المكسورة.
مرت سنوات أخرى سنوات لم تقس بالأيام ولا بالأشهر بل باللحظات الصغيرة التي استعادت بها العائلة نفسها من جديد.
وفي ظهيرة سبت هادئة كان الهواء دافئا بما يكفي ليجعل الماء في المسبح يلمع تحت الشمس كمرآة زرقاء صافية. جلس مايكل على كرسي خشبي مقابل الحديقة يراقب آفا وليلي وهما تلعبان تتراشقان بالماء تضحكان ضحكات حقيقية لا تشوبها ظلال الماضي.
كانت كل ضحكة تصدر عنهما تعيد إليه جزءا آخر من روحه التي تمزقت يوما. رأى في حركة أيديهما وفي صراخهما الممزوج بالمرح حياة كاملة كان يظن أنها انتهت إلى الأبد. رأى طفولتهما تعود من جديد لا كذكرى باهتة بل كواقع ملموس يعيد نبضا افتقده قلبه لوقت طويل.
ولأول مرة منذ أعوام شعر بأن المقبرة بعيدة عنه لا في المكان فقط بل في الذاكرة أيضا. لم يعد يتذكر الزنابق البيضاء التي كان يحملها كل أسبوع ولا رائحة العشب الرطب ولا البرودة التي كانت تقبض على صدره كلما وقف أمام شاهدي القبرين.
لم تعد تلك اللحظات تملك القدرة على جره إلى الأسفل كما كانت تفعل. كانت قد فقدت قوتها أو ربما هو من استعاد قوته أخيرا.
تذكر نفسه كيف كان يجثو على ركبتيه هناك وكيف كان يهمس بكلمات يائسة لا يسمعها أحد وكيف كان يعود إلى منزله الخالي كأنه يحمل حجرا في صدره لا يعرف كيف يزيحه.
واليوم لم يشعر إلا بخفة غريبة خفة لم يعرفها منذ سنوات كأن حملا كان مستندا على كتفه سقط فجأة دون أن يدري.
رفع بصره نحو طفلتيه من جديد.
لم تكونا مجرد ابنتين تلعبان كانتا رمزا لما يستطيع الحب والصبر أن يصلحاه حتى بعد أن ينهار كل شيء.
كانتا تتنفسان تنموان تتعافيان
وكذلك هو.
بل ربما كان يتعافى من خلالهما شيئا فشيئا حتى دون أن
بعد لحظات نهض من مكانه بخطوات هادئة ودخل المنزل. كان البيت دافئا برائحة الخبز الذي أعدته الخادمة صباحا وبصوت الموسيقى الخافتة التي تملأ أرجاء المطبخ. صعد الدرج ببطء وتوجه نحو غرفة المكتب التي لم يدخلها كثيرا في السنوات الأخيرة.
فتح أحد الأدراج القديمة ذلك الدرج الذي ظل مغلقا لوقت طويل لأنه يحمل ما لم يجد يوما الشجاعة لفتحه.
كان ممتلئا بأشياء صغيرة احتفظ بها خلال فترة الحزن صور التوائم شرائط شعرهما بطاقات صغيرة كتبتا عليها بخط طفولي وبعض رسوماتهما.
وفي زاوية الدرج وجد الورقة التي كان يبحث عنها
إيصال شراء الزنابق البيضاء.
كان الإيصال قد بهت لونه وحروفه تلاشت قليلا لكنه كان دليلا على مرحلة كاملة من حياتهمرحلة عاشها بقلب مكسور وأسند فيها روحه على عادة هشة ظن أنها تحميه من الانهيار الكامل.
أمسك الورقة بيده وشعر بأن ثقلا قديما يصعد من صدره إلى حلقه ثم يختفي فجأة وكأنه كان يحمل هذا الألم في داخله دون أن يعرف أنه ما يزال هناك.
مزق الإيصال ببطء قطعة بعد قطعة حتى امتلأت يده بالقصاصات البيضاء الصغيرة.
تركها تسقط لا على الأرض فقط بل من ذاكرته أيضا.
تهوي كرماد فصل طويل انطوى أخيرا.
وقفتا آفا وليلي عند باب المكتب تنظران إليه باستغراب.
اقتربتا بفضول طفولي
ماذا كنت تفعل يا أبي
نظر إليهما بابتسامة مطمئنة لم يبتسم مثلها منذ زمن بعيد.
كنت أغلق الباب الأخير من الماضي.
أمسكت آفا بيده وقالت بجدية طفلة تجاوزت عمرها بالكثير من التجارب
هل انتهى الحزن يا أبي
انحنى نحوها لمس شعرها برفق وقال بصوت دافئ يشبه الضوء
لم ينته لكنه لم يعد يحكمني.
خرجت الطفلتان تركضان نحو الحديقة من جديد وتركتاه واقفا في المكان يشعر بأن الهواء أصبح أخف وأن قلبه ينبض بطريقة جديدةنابضة بالحياة لا بالذكريات.
تبعهم بعد دقائق وجلس من جديد قرب المسبح يراقبهما وهما تغمسان أقدامهما في الماء وتضحكان بلا خوف.
وفي داخله أدرك أن الحياة ليست شيئا يستعاد دفعة واحدة
بل تبنى من جديد خطوة خطوة بابتسامة هنا وضحكة هناك وقرار صغير بأن الغد يستحق فرصة أخرى.
وفي ذلك اليوم في ظهيرة سبت صافية فهم مايكل شيئا لم يفهمه طوال سنوات
أن الإنسان لا يتعافى عندما ينسى الألم
بل عندما يجد شيئا أقوى ليعيش من أجله.
وكان ذلك الشيء أمامه مباشرةطفلتين عادتا من الموت المزعوم ليعيداه هو من موت آخر موت داخلي طال أكثر مما ينبغي.
وهكذا لم يعد الماضي قيدا ولا المقبرة بيتا لروحه بل مجرد صفحة طويت.
وما بقي من حياته كان ينتمي بالكامل للأحياء وللضحك الذي يملأ الحديقة