كانت تظن أنها نجت من الفقد
يسميه بيته.
ثم رأته.
ممددا خلف جدار الكشك.
مضروبا.
متورما.
بالكاد يتنفس.
تجمد جسمها.
موسى موسى! همست وهي تهوي على ركبتيها.
كانت شفتاه تنزفان.
إحدى عينيه منتفخة مغلقة.
قميصه ممزق.
يدان مرتعشتان.
قالت بصوت مكسور
من فعل بك هذا!
سعل قليلا يحبس الألم داخله.
أولاد الأولاد الكبار عند المفترق قالوا إني أسرق منطقتهم أرادوا أغراضي الخبز الشبشب
انكسر شيء داخل عائشة.
موسى لماذا لم تهرب!
نظر إليهابعين واحدة سليمة لكنها لا تزال رقيقة.
كنت أنتظرك.
توقف نفسها.
تلك الكلمات الخمس كانت أخطر من أي ضربة.
وضعت رأسه في حجرها تمسح وجهه بوشاحها.
وفي تلك اللحظة أدركت الحقيقة المرعبة
لم تكن متعلقة به فقط.
كانت تحتاجه.
وحاجة أحد في عالم يمكن أن يسلب منك كل شيء
كانت خطيرة.
خطيرة جدا.
وجاء الخطر أسرع مما توقعت.
في المساء التالي وجدت خالتها الدفتر.
دفتر موسى.
الدفتر الذي خبأت فيه عائشة جراحها.
صفعتها صفعة اهتز لها الجدار.
أأنت تلتقين الصبية خلف بيتي! يا عديمة الحياء! يا صغيرة الشوارع!
سقطت عائشة وهي تضم الدفتر إلى صدرها.
ليست ليست كذلك يا خالتي
لكن صفعة أخرى نزلت.
ثم شتيمة.
ثم ركلة في ضلوعها.
وحين انتهت خالتها لم تعد عائشة قادرة حتى على التنفس.
تسللت تلك الليلة زاحفة خلف الساحة تمسك بطنها والدموع تلسع عينيها.
شهق موسى حين رآها.
عائشة! من فعل هذا!
قالت وهي تبكي
خالتي قالت إنني عديمة الفائدة إنني يجب أن أموت وإن لقائي بك نجسني
تصلب فك موسى.
إذا كان لقائي بك يؤذيك فسأتوقف عن المجيء.
تعلقت بيده وهي ترتجف
لا! إذا ذهبت لن
توقف مكانه.
التقت عيناهما.
روحان مكسورتان تتمسكان ببعضهما لأن العالم حاول سحقهما.
لكن حين تتعلق القلوب المكسورة أكثر مما يجب
تنزف.
همس موسى
عائشة إن بقينا هنا سيقتلنا هذا المكان.
رفعت رأسها بخوف
ماذا تقصد
تنفس بصعوبة.
وقال
أقصد أن نهرب.
ارتجفت عائشة.
موسى نحن مجرد أطفال.
أجاب
لكن ألمنا أكبر من أعمارنا.
خافت.
الهرب يعني الحرية
لكن أيضا الجوع.
الخوف.
الشارع.
أما البقاء
فيعني موتا بطيئا.
قالت بصوت مرتجف
إلى أين نذهب
ابتسم ابتسامة حزينة
إلى حيث يلتقينا الليل.
امتلأت عيناها بكل شيء
خوف أمل تعلق حب لم يولد بعد.
وكانت النجوم صامتة.
فقط قلوبهما كانت تجيب.
قال موسى وهو يمسك يدها برفق
اختاريني ولن أتركك أبدا.
ارتعش نفسها.
لم تكن تعلم حينها
أن هذا الاختيار
هذا الوعد
هذه اللحظة
ستنقذ حياتها
لكن ستدمر حياة موسى.
لم تنم عائشة تلك الليلة.
استلقت على الحصير البارد تعانق الدفتر الذي أعطاها إياه موسى وتعيد في رأسها كلماته
اختاريني ولن أتركك.
وعند الفجر اتخذت قرارها.
حين غرق البيت بالنوم وضعت في كيس نايلون ما تملك
فستانين قديمين
مشطا مكسورا
الدفتر
والقلم الصغير الذي كان موسى يسنه لها دائما
وخرجت كظل.
وجدت موسى ينتظر خلف الساحة.
لكن كان هناك شيء مختلف.
قميصه أنظف من المعتاد.
شعره مرتب.
شبشبه جديدلا الممزق الذي تعرفه.
وعيناه لم تكونا دافئتين تلك الليلة.
كانتا حادتين.
متأهبتين.
غريبتين.
ارتجفت عائشة.
موسى همست.
ابتسم لكنها لم تكن ابتسامته.
هل أنت جاهزة
هزت رأسها بتردد.
سارا بصمت عبر شوارع الصباح المغبرة.
كانت الكلاب تنبح.
ومولد كهرباء يهدر في الخلف.
والعالم نصف نائم ونصف مستيقظ.
وعند المفترق أمسك موسى يدها فجأة.
يجب أن نسرع.
كان صوته عاجلا غريبا عليها.
موسى لماذا
لكن قبل أن تكمل توقفت سيارة تويوتا كامري سوداء أمامهما نوافذها مظللة ومحركها يهدد كأنه وحش.
تجمدت عائشة.
نزل زجاج النافذة الخلفية.
داخل السيارة رجل.
رجل أنيق.
ملابس فاخرة.
ساعة ذهبية.
عينان باردتان كأنهما لا تعرفان الرحمة.
لكن موسى كان يعرفه.
لأن موسى انحنى له قليلا.
تجمد دم عائشة.
موسى ماذا يحدث
قال الرجل بصوت هادئ مخيف
إذن هذه هي الفتاة
أومأ موسى
نعم. التي طلبتموها.
توقفت الحياة.
التي طلبتموها
تهاوى نفسها.
موسى ماذا تقول!
لم ينظر إليها.
ولا مرة.
فتح الرجل باب السيارة.
أحضرها.
تراجعت عائشة مذعورة.
موسى! قل لي إنه مزاح! موسى!
لكن موسى أمسك معصمها.
بقوة.
قوة لم تعرفها منه.
قال بحدة
توقفي عن المقاومة. سيكون أسوأ إن هربت.
انكسر صوتها
لماذا لماذا تفعل بي هذا! نحن متشابهان! قلت إنك تفهم وجعي
شدد على ذقنه وقال
الوجع لا يطعمك.
ولا يحميك.
ولا يبقيك حيا.
نظر إليها أخيرا.
لكن نظرته لم تكن دافئة.
كانت فارغة.
باردة.
متعبة.
وقال
لم تكوني صديقتي يا عائشة.
كنت فقط أحتاج شخصا يائسا بما يكفي ليباع.
صرخت عائشة.
لكن لم يكن هناك أحد مستيقظ.
لا أحد يسمع.
ولا أحد سينقذ.
دفعها موسى نحو السيارة.
لكن فجأة
صرير دراجة نارية.
إضاءة قوية.
صوت مكابح.
قفزت خالتها من الدراجة حافية القدمين وغطاؤها يطير في الهواء.
كانت آخر شخص تتوقع عائشة أن يظهر.
لكنها أتت.
صرخت
اتركهااا!!
أمسكت يد عائشة وجرتها بكل قوتها.
سب الرجل داخل السيارة.
أمسك بها موسى!
هجم موسى.
لكن خالتها أمسكت الدلوالدلو الذي كانت عائشة تملأ به الماء كل فجروضربته به على رأسه.
صرخت
اركضي!
فركضت عائشة.
وركضت خالتها.
وصاح الرجل أوامر.
وتعثر موسى ثم تبعهم.
نبحت الكلاب.
أغلقت الأبواب.
وتحول العالم إلى ضباب من الخوف.
وبطريقة ما تمكنتا من الوصول إلى المنزل وإغلاق الباب والانهيار أرضا.
للمرة الأولى منذ وفاة والديها رأت عائشة دموعا في عيني خالتها.
قالت بصوت مرتجف
أنا آسفة آسفة على كل شيء. لم أكن أعلم أنهم يراقبونك. لم أكن أعلم أنه واحد منهم.
همست عائشة
من
قالت بصوت مكسور
تجار الأطفال.
توقف قلب عائشة.
كل شيء قاله موسى
كل كلمة
كل نظرة
كل دمعة ادعاها
انقلب إلى سم.
قالت خالتها
والداه لم يموتا.
هرب من البيت.
درب.
استخدم.
مهمته أن يجلب الأطفال لهم.
تهاوى قلب عائشة.
أول صديق لها
أول أمل
أول دفء
كان كذبة.
كل ليلة جلس بجوارها
كل ضحكة
كل نصيحة
كانت جزءا من خطة.
انكمشت عائشة وبكت بلا صوت.
لكن خالتها إليها برفقللمرة الأولى كابنة لا كعبء.
قالت
قد يعود موسى.
لكنني هذه المرة مستعدة.
أغمضت عائشة عينيها
فرأت وجه موسى.
الفتى الحزين الذي لم يكن حزينا.
اليتيم الذي لم يكن يتيما.
الروح المكسورة التي لم تكن مكسورة.
الفتى الذي قال لها
أعرف وجع الصدر الذي لا ينتهي.
والآن عرفت لماذا.
لأنه درب على كسر الصدور.
وكسر العقول.
وكسر الأمل.
وكانت هي شحنته القادمة.
تلك الليلة استلقت عائشة على حصيرها الرفيع تحدق في الظلام.
صدرها
أفكارها تعصف.
وصوت المطر على السقف المعدني يشبه العد التنازلي.
كان العالم بالخارج يحبس أنفاسه.
همست بسؤال واحدسؤال أخافتها إجابته
هل سيعود موسى
وضعت خالتها يدا مرتجفة على كتفها قائلة
لا أعلم لكن هذه ليست النهاية يا عائشة.
بل البداية.
كان